بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

مُبيِن

الجيم المعطَّشة وصوت القاهرة

إذا كانت العربية تُعرَف بـ«لغة الضاد»، فهل يمكن القول إن للمصريين «لغة الجيم»؟ ذلك الحرف الذى يحمل  فى نطقه القاهرى تحديدًا، ملامح هوية صوتية راسخة، تميز الأداء المصرى وتمنحه فرادته. لكن ماذا يحدث حين يبدأ هذا الصوت فى التبدل خلسة؟

فى الموسم الرمضانى هذا العام، ظهرت على شاشة الدراما شخصية «جليلة رسلان»، كما قدمتها الفنانة ياسمين عبد العزيز، بنطق معطَّش لحرف الجيم فى اسم «جليلة»، استمر طوال العمل. ثم تكرر المشهد فى الإعلان، عبر منتج نعرفه منذ أكثر من عشرين عامًا، اعتدنا أن يُنطق اسمه بالجيم القاهرية، قبل أن يظهر هذا العام بالنطق ذاته على لسان الفنانة منى زكى. هنا؛ هل نعتبر الأمر مجرد أداء فردى، أم ملاحظة تستحق التوقف؟.

فى الحياة اليومية، يمكن التقاط إشاراتٍ خافتة لهذا التحول؛ أسمع أمًا تنادى ابنتها فى مكان عام؛ «خديجة»، بنطق معطَّش غير مألوف لدى، فيستوقفنى هذا الاختلاف‘ وأتأكد لحظتها أن الأطفال سيلتقطون هذا الأداء بسهولة، ويعيدون إنتاجه دون تردد. وهكذا يتحرك الصوت من الشاشة إلى الشارع، ثم يعود أكثر رسوخًا وانتشارًا.

اللافت أن هذا التحول لا يأتى صاخبًا، بل يتسلل بهدوء؛ يبدأ بوصفه اختلافًا طفيفًا، ثم يغدو مألوفًا، قبل أن يستقر كأحد وجوه الأداء اللغوى المقبول. وهى آلية معروفة فى تطور اللغات، حيث لا يحدث التغيير دفعة واحدة، بل عبر التكرار والتراكم.

ومن هنا، يبرز الالتفات الضرورى؛ فالتغير اللغوى فى ذاته ليس موضع إشكال، إذ اللغة كائن حىّ بطبيعته، يتبدل ويتكيف. كما أن هذا النطق فى ذاته ليس غريبًا تمامًا عن العربية، وتمارسه بيئات لغوية كثيرة داخل مصر وخارجها، لكنه لم يكن يومًا جزءًا من الهوية القاهرية. غير أن التساؤل يتركز حول اتجاه هذا التغير وسرعته وأسبابه، ومنْ الذى يدعمه؟ ولماذا تُسهم الوسائط الإعلامية مجتمعة فى تقديمه الأن عبر إبراز نموذج صوتى بعينه، يدعم إعادة إنتاجه على نطاق واسع؟ الفن والإعلان فى هذا السياق، لا يعكسان الواقع فحسب، بل يشاركان فى إعادة تشكيله، ومن ثمّ، فإن أثرهما يتجاوز الذائقة الجمالية إلى إعادة تشكيل الحس اللغوى ذاته.

اللافت أن هذا التحول لا يأتى صاخبًا أو صادمًا، بل ناعمًا ومتدرّجًا؛ يبدأ غريبًا، ثم يغدو مألوفًا، قبل أن يتحول إلى جزءٍ من النسيج اللغوى لدى المصريين. وهنا يبرز سؤال آخر؛ هل يمكن لتغييرٍ صوتى بسيط أن يعيد تشكيل الإحساس بالهوية؟

أتخيل مسار هذا التحول؛ استغراب فى البداية، ثم اعتياد، ثم تبنٍ غير واعٍ. ومع مرور الوقت، يصبح النطق الجديد جزءًا من الطبيعى، بينما يتراجع القديم إلى الهامش. ليست المسألة هنا صوابًا أو خطأ، بقدر ما هى مسألة وعىٍ بما يتغير فينا دون أن نلاحظه.

فى النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا؛ هل نحن أمام تفصيلٍ صوتى عابر، أم ملامح تحول أوسع فى النموذج اللغوى السائد؟ ربما لا تكمن الإجابة فى الحرف ذاته، بل فى وعينا به؛ فالهويات لا تتبدل فجأة، بل تُعاد صياغتها تدريجيًا.. حرفًا بعد حرف. فهل ننتبه؟