بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

اتفاقية الدفاع العربي المشترك ؛؛؛ بين النص التاريخي وإعادة توظيفه في لحظة التحول

إثارة ملف اتفاقية الدفاع العربي المشترك في هذا التوقيت تحديدا ً ليست مجرد استدعاء لنص قانوني قديم، بل تعكس قراءة سياسية واعية لمحاولة إعادة تعريف أدوات العمل العربي الجماعي في ظل بيئة إقليمية تتسم بقدر غير مسبوق من السيولة والتوتر. ومن هنا تأتي أهمية التصريح الذي أدلى به الدكتور السيد البدوي، ليس فقط من زاوية المضمون، بل من زاوية التوقيت والدلالة.

فالاتفاقية التي وُقعت عام 1950 لم تكن يوما ً مجرد وثيقة شكلية، بل كانت تعبيرا ً عن إدراك مبكر لطبيعة التهديدات المشتركة التي تواجه الدول العربية .. غير أن المشكلة لم تكن في النص، بل في آليات التفعيل، حيث بقيت الاتفاقية لعقود طويلة حبيسة الإرادة السياسية المتباينة، وتحت وطأة حسابات قطرية ضيقة حالت دون ترجمتها إلى منظومة ردع حقيقية.

اليوم، ومع تصاعد التهديدات في أكثر من اتجاه ؛؛؛ من الخليج إلى البحر الأحمر، ومن المشرق إلى القرن الأفريقي ؛؛؛ لم يعد الحديث عن الأمن القومي العربي ترفا ً سياسيا ً، بل أصبح ضرورة وجودية ؛ وهنا تبرز أهمية إعادة طرح الاتفاقية، ولكن ليس بصيغة الحنين إلى الماضي، بل بمنطق التحديث وإعادة التكييف مع واقع جديد مختلف تماما ً عن سياق خمسينيات القرن الماضي.

تصريح البدوي في هذا الإطار يمكن قراءته كدعوة لإعادة إحياء مفهوم “الدفاع الجماعي” بمعناه الحقيقي، وليس الرمزي .. فالعالم لم يعد يعترف بالفراغات، وأي مساحة تترك دون حماية تتحول سريعا ً إلى ساحة نفوذ لقوى إقليمية أو دولية، وبالتالي فإن تفعيل الاتفاقية لم يعد خيارا ً سياسيا ً، بل أصبح جزءا ً من معادلة الحفاظ على التوازن الإقليمي.

لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في استدعاء الاتفاقية، بل في كيفية تفعيلها .. فالتجارب السابقة أثبتت أن غياب التنسيق الفعلي، وتباين أولويات الدول، كانا السبب الرئيسي في إفراغها من مضمونها .. ومن هنا فإن أي طرح جاد اليوم يجب أن ينطلق من بناء آليات تنفيذ واضحة، تشمل تنسيقا ً استخباراتيا ً، وتكاملا ً عسكريا ً، وربما إعادة تعريف مفهوم “التهديد المشترك” نفسه.

كما أن الواقع الحالي يفرض سؤالا ً أكثر عمقا ً :
هل الدول العربية مستعدة فعليا ً للانتقال من منطق التعاون إلى منطق “الالتزام” ؟ 
لأن الفرق بينهما هو الفارق بين نص يُذكر في البيانات ومنظومة تُفعّل على الأرض، وهنا تحديدا ً تتحدد جدية أي حديث عن إعادة إحياء الاتفاقية.

في تقديري، فإن طرح هذا الملف الآن يعكس إدراكا ً متزايدا ً بأن المرحلة القادمة قد تشهد إعادة رسم لموازين القوى في المنطقة، وأن من لا يمتلك أدواته الدفاعية الجماعية، سيجد نفسه جزءا ً من ترتيبات تُفرض عليه لا يُشارك في صياغتها.
ومن هنا، فإن أهمية تصريح رئيس الحزب لا تكمن فقط في مضمونه، بل في كونه يفتح بابا ً لنقاش ضروري طال انتظاره حول مستقبل الأمن العربي، وحدود المسؤولية المشتركة، وإمكانية الانتقال من مرحلة رد الفعل إلى مرحلة الفعل الاستباقي.
فالاتفاقيات لا تصنع القوة ، لكنها تعكس الإرادة .. وإذا توافرت الإرادة، يصبح النص مجرد بداية لا نهاية.