البصمة البيئية الخطيرة للعمليات العسكرية و جرائم الحرب
تُعد الحروب والنزاعات العسكرية من أخطر ما يهدد صحة وسلامة البيئة في العصر الحديث؛ فهي لا تكتفي بحصد الأرواح وتدمير البنية التحتية، بل تمتد آثارها لتخلق ما يمكن اعتباره "مدخلاً بيئياً" للإبادة الجماعية؛ دمار يضرب النظم الحيوية التي يحتاجها الإنسان للبقاء، ويترك خسائر وكوارث وتدهوراً بيئياً في جسد الكوكب قد لا تزول لقرون، وربما لا تزول على الإطلاق، أي تسبب تشوهات "لا رجوعية".
فمن زاوية تلوث المياه نتيجة الحروب، فإن قصف المرافق قد يؤدي إلى اختلاط مياه الشرب بالصرف الصحي وما قد ينتج عنه من أوبئة وأضرار صحية متنوعة، كما قد تتسبب العمليات الحربية وتداعياتها في تلويث الآبار الجوفية وخزانات المياه الجوفية، مما يؤدي إلى تراجع في الموارد المائية الصالح للاستهلاك الآدمي، ويهدد الأمن المائي للدولة المعتدى عليها.
كما أن ضرب السفن وآبار البترول البحرية قد يتسبب في ترتيب كميات هائلة من مواد نفطية تتحول إلي بقع نفطية كبيرة تسبب تلوث بحري جسيم كما تحجب ضوء الشمس عن الكائنات البحرية مما قد يسبب أضرار بيئية متفاوتة للحياة البحرية في الحد الأدني، وقد يصل إلي حد حدوث نفوق جزئي أو كلي لهذه الكائنات البحرية.
ومن زاوية تلوث البيئة الأرضية نتيجة الحروب، فإن النزاعات المسلحة تؤدي إلى تراكم كميات من الملوثات في التربة، مثل الكيماويات والمواد النفطية والمعادن الثقيلة (وربما مواد مشعة أحياناً)، وغيرها من الملوثات الناتجة عن الذخائر والقنابل ذاتها، أو الناتجة عن انهيار المنشآت والأهداف التي تعرضت للقصف، مثل المصانع والمرافق والبنية التحتية والمنشآت العسكرية والمدنية وغيرها من بنوك الأهداف. ويعد تلوث التربة بالمعادن الثقيلة شديد الخطورة لأنها لا تتحلل، بل تتسرب إلى الأنسجة النباتية ومنها إلى الإنسان عبر السلسلة الغذائية. كما أن العمليات الحربية قد تؤدي إلى فقدان التربة الزراعية لخصوبتها جزئياً أو كلياً، مما يسهم في تغذية ظاهرة التصحر، وبالتالي تراجع الإنتاج الغذائي وزيادة العجز في الميزان التجاري، وما يترتب عليه من مساس بالأمن القومي للدولة المعتدى عليها.
وفيما يتعلق بتلوث الهواء نتيجة الحروب، فإن آثار الحرب لا تتوقف عند حدود الميدان، فالهواء هو الناقل الأول للسموم؛ إذ إن الغبار الناتج عن الهدم، والأبخرة المتصاعدة من تفجير المنشآت الصناعية، تخلق سحباً من الجسيمات الدقيقة والغازات الكبريتية التي تسبب "الأمطار الحمضية"، مهددة الحياة الإنسانية والحيوانية والنباتية والثروة السمكية في مناطق بعيدة جداً عن الصراع.
ومن زاوية تغير المناخ، تُعد الجيوش (خاصة المتورطة في حروب أو نزاعات مسلحة طويلة الأمد) من أكبر مستهلكي الوقود الأحفوري، مما يرفع البصمة الكربونية الكونية بشكل حاد. كما أن نتائج القصف الحربي من انفجارات وحرائق غابات وخرائق آبار النفط (برية أو بحرية) تطلق كميات مهولة من الغازات الدفيئة، مما يجعل النزاعات العسكرية محركاً خفياً ومباشراً لظاهرة التغير المناخي العالمي.
أما اجتماعياً، فإن انهيار البيئة يؤدي إلى نشوء ظاهرة "النزوح البيئي"؛ حيث يضطر بعض السكان لهجرة أراضيهم التي لم تعد صالحة للحياة، مما يخلق ضغوطاً سياسية واجتماعية على المناطق المستضيفة.
وأذكر أنني كنت في ندوة في نقابة المهندسين المصرية عن إعادة إعمار غزة، وتحدثت مع أحد ممثلي الطرف الفلسطيني ونصحته بضرورة البدء بعمل مسح بيئي شامل قبل البدء في تخطيط عملية إعادة الإعمار؛ لتحديد حجم ونوع وتوزيع التلوث الناتج عن القصف الصهيوني الوحشي الإجرامي، حتى يتم وضع النتائج في الاعتبار قبل تخطيط وتنفيذ مشروعات إعادة الإعمار.
ومن الناحية الاقتصادية، فإن فاتورة "التطهير البيئي" تتجاوز تكلفة إعادة الإعمار المادي بمراحل، وهو ما يعني أن البيئة المدمرة تعاني من هروب الاستثمار، وركود قطاعي السياحة، وتراجع الإنتاجية الزراعية، واضطراب في قطاعات النقل البحري والجوي؛ مما يستنزف جزءاً من ميزانيات الدول (بعد انتهاء الحرب) في معالجة الأزمات الصحية والاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن التلوث بدلاً من التنمية.
إن الأثر البيئي للنزاعات المسلحة يتجاوز مجرد التدمير المادي المباشر، ويمكن رصده من خلال عدة مفاهيم علمية؛ فالحروب تسبب تضخم في إجمالي "البصمة الكربونية" نتيجة الانبعاثات المهولة من الحرائق والانفجارات وعوادم استهلاكات المعدات الحربية من الوقود الأحفوري، فضلا عما تخلفه من تلوث جسيم في المياه والتربة والنباتات والكائنات الحية، مما يرفع في النهاية من إجمالي "البصمة البيئية (Ecological Footprint)" للنشاط العسكري إلى مستويات تفوق قدرة الطبيعة على التجدد والتعافي الذاتي أو التلقائي.
إن حماية البيئة أثناء الحروب والنزاعات المسلحة ليست رفاهية، بل هي في صلب الأمن القومي بمفهومه الشامل. إننا بحاجة إلى تفعيل المسؤولية القانونية الدولية عن الأضرار البيئية الناجمة عن العمليات الحربية؛ وذلك لردع الانتهاكات البيئية، واعتبار تخريب وتلويث البيئة (عرضاً أو عمداً) جريمة حرب لا تسقط بالتقادم. فالأرض هي بيتنا المشترك، ودمارها في أي بقعة هو خسارة للبشرية جمعاء.
سياسي ونقابي مصري والمستشار الأسبق لوزير البيئة