كيف تتحول مقاصد الصيام إلى ثمار في حياة المسلم بعد رمضان؟
من المقرر شرعًا أن ثمرة التقوى في حياة المسلم بعد رمضان تتجلى في أن يعيش المؤمن حياته كلها بمراقبة دائمة لله عز وجل، فكما كان في نهار رمضان يمتنع عن الحلال المباح ابتغاء مرضاة الله، فليكن بعد رمضان ممتثلًا لأمر الله في حلاله وحرامه، فلا يأكل حرامًا، ولا ينظر إلى محرم، ولا يمشي إلى معصية.
ثمرة المسلم بعد انتهاء شهر رمضان المبارك
التقوى بعد رمضان تعني أن يصبح الحياء من الله سجية والدة، ومراقبته في السر والعلن نهج حياة، تعني أن يعلم العبد أن الله مطلع عليه في كل لحظة، فيستحي أن يراه حيث نهاه، أو يفقده حيث أمره، تعني أن يتحول إلى إنسان لا يقدم على معصية؛ لأنه تدرب على ترك الحلال المباح لله، فكيف يفعل الحرام؟!
جاء في تفسير الإمام الرازي- رحمه الله-: "أَنَّهُ سُبْحَانَهُ بَيَّنَ بِهَذَا الْكَلَامِ أَنَّ الصَّوْمَ يُورِثُ التَّقْوَى لِمَا فِيهِ مِنَ انْكِسَارِ الشَّهْوَةِ وَانْقِمَاعِ الْهَوَى فَإِنَّهُ يَرْدَعُ عَنِ الْأَشَرِ وَالْبَطَرِ وَالْفَوَاحِشِ ويهون لذات الدنيا ورئاستها، وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّوْمَ يَكْسِرُ شَهْوَةَ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ، وَإِنَّمَا يَسْعَى النَّاسُ لِهَذَيْنِ" [مفاتيح الغيب: دار إحياء التراث العربي – بيروت- ط. الثالثة،٥/٢٤٠].
وثمرة التيسير في حياة المسلم بعد رمضان تتجلى في أن يصبح إنسانًا سمحًا في تعاملاته، يسيرًا في معاملاته، بعيدًا عن التعقيد والتشديد. كما أن الله يسر عليه دينه، فلييسر هو على الناس في بيعه وشرائه، في أخذه وعطائه، في قوله وفعله.
والنفس السمحة هي التي تتربى على أن التيسير خلق إلهي يحبه الله، وأن التعسير طريق مرفوض، فالمسلم بعد رمضان يصبح أكثر مرونة مع أهله، وأكثر تسامحًا مع مَنْ أساء إليه، وأكثر قدرة على تجاوز هفوات الناس وزلاتهم، إنه إنسان يذكر دائمًا أن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه، وأن اليسر هو الأصل في هذه الشريعة السمحة.
عن قتادة قوله: "يريد الله بكمُ اليسر ولا يُريد بكم العسر"، فأريدوا لأنفسكم الذي أراد الله لكم" [تفسير الطبري: ط دار التربية والتراث،٣/٤٦٧].
ثمرة الإتمام والإكمال في حياة المسلم بعد رمضان
تتجلى ثمرة الإتمام والإكمال في حياة المسلم بعد رمضان في أن يصبح إنسانًا يتقن عمله، ويحسن صنعته، ويؤدي ما عليه على أكمل وجه، كما أتم عدة رمضان وكملها، فليتم كل عمل يبدأ به، وليكمله بأحسن صورة.
هذا هو درس الإتقان الذي يخرج به المسلم من مدرسة رمضان: لا يعرف النقص في أعماله، ولا يرضى بالضعف في أدائه، في وظيفته يؤدي عمله بأمانة، في بيته يرعى أهله بحق، في علاقاته يفي بوعوده وعهوده. إنه إنسان يدرك أن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه، وأن إتقان العمل عبادة يؤجر عليها.
وتتجلى أيضًا ثمرة التكبير في حياة المسلم بعد رمضان في أن يصبح إنسانًا يعظم شعائر الله في كل شيء، لا في المسجد فقط، بل في بيته وفي عمله وفي علاقاته. تعظيم شعائر الله يعني أن يقدم أمر الله على هواه، وأن يجعل كلمة الله هي العليا في حياته.
فالمسلم بعد رمضان لا يتهاون في الصلاة، ولا يتساهل في الحلال والحرام، ولا يقدم رضا الناس على رضا الله. إنه إنسان عظمت في قلبه شعائر الله، فانعكس ذلك على سلوكه وتصرفاته، إذا دعي إلى حرام امتنع، إذا عرض عليه شبهة تجنب، إذا خير بين طاعة الله وطاعة غيره اختار طاعة الله، هذا هو معنى التكبير العملي الذي يثمره الصيام.
ومن المعروف أن ثمرة الشكر في حياة المسلم بعد رمضان تتجلى في أن يستعمل نعم الله كلها في طاعته لا في معصيته، فكما شكر الله على نعمة بلوغ رمضان وتوفيقه للصيام، فليشكره على نعمة الصحة بالعمل الصالح، وعلى نعمة المال بالإنفاق في الخير، وعلى نعمة الوقت باستثماره فيما ينفع.
الشكر العملي يعني أن تصبح حياة المسلم كلها شكرًا لله: يداه تعملان خيرًا، ولسانه ينطق حقًا، وقلبه ينبض حبًا لله وخوفًا منه، إنه إنسان يستشعر أن كل نعمة في حياته هي من الله، وأنه مسؤول عنها يوم القيامة، فيسخرها في مرضاة المنعم سبحانه.
الاستجابة في حياة المسلم بعد رمضان
والاستجابة في حياة المسلم بعد رمضان تتجلى في أن يصبح إنسانًا سريع الانقياد لأمر الله، بطيئًا في مخالفته، كما كان في رمضان يستجيب لنداء الفجر فيمسك، ولنداء المغرب فيفطر، ولنداء الصلاة فيسرع، فليكن بعد رمضان كذلك في كل أمر من أمور دينه.
الاستجابة العملية تعني أن المؤمن لا يتردد حين يسمع أمر الله، ولا يتلكأ حين يعلم حكمه، إذا قيل له "قال الله" كان عنده سمع وطاعة، وإذا عُرضت عليه معصية نفر منها كالذي يفر من الأسد، هذه هي ثمرة الصيام الحقيقية: أن تتحول الاستجابة لله إلى سجية، لا إلى مجرد حالة مؤقتة تنتهي بانتهاء رمضان.