«هرمز» سلاح إيران الثقيل
طهران ترفض الاستسلام.. وتراهن على خنق العالم اقتصاديًا
ترفض طهران أى مخرج دبلوماسى للحرب مع دخولها أسبوعها الرابع، وتواصل تصعيد هجماتها فى مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، فى رهان واضح على قدرتها على إيلام الاقتصاد العالمى بوتيرة أسرع من قدرة واشنطن على حسم المعركة عسكريا، وفقا لما نقلته واشنطن بوست عن دبلوماسيين ومسؤولين فى المنطقة.
ويقول دبلوماسى إيرانى ودبلوماسيون أوروبيون ومسؤول عربى رفيع إن الاستراتيجية الإيرانية تقوم على استغلال ورقة مضيق هرمز، الذى يمر عبره نحو خمس شحنات الوقود فى العالم، والذى أغلقته طهران بشكل شبه كامل، ما أدى إلى اضطراب واسع فى أسواق الطاقة.
وبحسب دبلوماسى إيرانى، فإن الهدف من هذا التحرك هو جعل الحرب مكلفة للغاية للخصوم، قائلا: إن بلاده تواجه بمفردها أقوى قوة عسكرية فى التاريخ، وهو ما يدفعها لاستخدام نفوذها فى هذا الممر الحيوى لرفع كلفة المواجهة إلى أقصى حد.
ويرى مسؤول عربى ودبلوماسيون أوروبيون أن قادة إيران ينظرون إلى السيطرة على المضيق والصمود فى وجه الضربات الأمريكية والإسرائيلية باعتباره نصرا على المدى القصير، حتى مع اتساع نطاق الحرب وتصاعد التهديدات التى تستهدف البنية التحتية الحيوية داخل البلاد. لكنهم يؤكدون فى الوقت نفسه أن هناك قلقا عميقا داخل القيادة الإيرانية بشأن القدرة على التعافى على المدى الطويل.
ويقول دبلوماسى أوروبى مقيم فى الخليج إن بقاء النظام الإيرانى يعنى قدرته على بث الرعب فى المنطقة والتأثير على الأسواق العالمية عبر أسعار النفط والغاز، مضيفا أن هذا التأثير يمثل فى حد ذاته شكلا من أشكال الانتصار بالنسبة لطهران، وأنها لا تشعر بضغط حقيقى يدفعها إلى التفاوض فى هذه المرحلة.
وحتى الآن، يصف دبلوماسيون تأثيرات الحرب الاقتصادية على الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين بأنها لا تزال «معتدلة»، ولم تصل إلى مستوى كارثى يجبر واشنطن على التراجع أو الدخول فى مفاوضات، لكن ارتفاع أسعار الطاقة بدأ يثير قلقا متزايدا داخل الولايات المتحدة.
وقبل أن يحدد الرئيس الأمريكى دونالد ترامب مهلة 48 ساعة لإعادة فتح مضيق هرمز، كان البنتاجون قد كثف عملياته العسكرية حول هذا الممر الحيوى، عبر زيادة الغارات الجوية ونشر المزيد من المروحيات الهجومية، فى إطار الاستعداد لفرض فتحه بالقوة إذا لزم الأمر.
ويشير مسؤولون إلى أن هذا السيناريو يتطلب عمليات واسعة لتطهير المواقع الإيرانية، بما يسمح للسفن الحربية الأمريكية بمرافقة ناقلات النفط وتأمين مرورها، وهو ما ينذر بتصعيد أكبر فى الصراع.
على صعيد الوساطات، بدأ مسؤولون من قطر وسلطنة عمان التواصل مع طهران لبحث إمكانية وقف إطلاق النار، بعد تقييم خلص إلى أن القوة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية الهائلة لن تكون كافية لإسقاط النظام الإيرانى على المدى القريب. إلا أن طهران ردت بأنها لن تنخرط فى أى وقف لإطلاق النار ما لم تتوقف الولايات المتحدة وإسرائيل عن الهجوم أولا.
وأكد دبلوماسى إيرانى أن بلاده لن تقبل بوقف إطلاق نار مبكر على غرار المواجهة السابقة، مشددا على أن أى تهدئة هذه المرة تتطلب ضمانات بعدم الاعتداء، بما فى ذلك تعويضات مالية عن الأضرار التى لحقت بإيران، وهو ما تعتبره طهران ضروريا لمنع تكرار الهجمات.
وفى رسالة تحذيرية، دعا الدبلوماسى ترامب إلى إنهاء الحرب قبل أن تتفاقم، قائلا إن الولايات المتحدة قد تجد نفسها غارقة فى مستنقع طويل بلا مخرج.
ويرى «آلان آير»، المسؤول السابق فى وزارة الخارجية الأمريكية والباحث فى معهد الشرق الأوسط، أن مسار الحرب لا يزال يتجه نحو مزيد من التصعيد، مشيرا إلى أن قادة إيران يعتقدون أن بإمكانهم إجبار ترامب على التراجع عبر إلحاق ضرر اقتصادى كبير، وأنهم لم يحددوا بعد سقف هذا التصعيد.
ويقول مسؤول أوروبى إن الاغتيالات تمثل اختبارا حقيقيا لنظام بُنى ليصمد أمام فقدان الأفراد، موضحا أن تأثيرها الفورى يتمثل فى إرباك القيادة، لكنها على المدى الطويل قد تعزز روح التحدى داخل النظام.
وفى الداخل، حملت رسائل القادة الإيرانيين بمناسبة عيد النوروز نبرة تحد واضحة، حيث قدموا التعازى للضحايا وتعهدوا فى الوقت نفسه بهزيمة الخصوم. وقبيل العيد، أعلنت وسائل الإعلام الرسمية تنفيذ ثلاث عمليات إعدام، فى خطوة أثارت انتقادات حقوقية، خاصة أنها من أوائل الحالات التى تعلنها الحكومة منذ مزاعم سابقة بوقف واسع لعمليات الإعدام.
ويرى ريويل مارك جيرشت، الضابط السابق فى الاستخبارات الأمريكية، أن القيادة الإيرانية، رغم خطابها المتحدى، تعانى من قلق عميق بشأن الأوضاع الداخلية، خاصة فى ظل تاريخ من الاحتجاجات المناهضة للحكومة.
ويحذر من أن الحرب الطويلة قد تنقلب على إيران فى نهاية المطاف، إذ إن الدمار الناتج عن آلاف الغارات سيضعف قدرة الدولة على معالجة الأزمات الداخلية، وقد يشعل موجات جديدة من الاضطرابات.
ويختتم بالقول إن أخطر لحظة بالنسبة للنظام الإيرانى لن تكون أثناء القصف، بل بعد توقفه، عندما تبدأ تداعيات الدمار فى الظهور بالكامل، وهو ما قد يفتح الباب أمام تحديات داخلية تهدد استقراره.