بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

حين تصطدم القوة بحدودها: قراءة في حسابات واشنطن تجاه طهران

على مدار عقود، ترسخت في الذهن السياسي العالمي صورة الولايات المتحدة كقوة قادرة على إعادة تشكيل الأنظمة وفق رؤيتها، سواء عبر التدخل المباشر أو عبر أدوات الضغط غير المباشر. غير أن المشهد الإيراني قدّم نموذجًا مختلفًا، أقرب إلى اختبار قاسٍ لحدود هذه القدرة، وكشف عن تعقيدات لا تُختصر في معادلات القوة التقليدية.
الإستراتيجية التي جرى التعويل عليها لم تكن حربًا شاملة بقدر ما كانت مزيجًا محسوبًا من الضغوط: تحريك عسكري محدود، خنق اقتصادي تدريجي، ورهان على تفاعلات داخلية قد تُفضي إلى تغيير في بنية النظام أو سلوكه. هذا النمط من المواجهة يفترض أن الدولة المستهدفة يمكن عزلها، وأنها ستواجه الضغط منفردة، وهو افتراض لم يصمد أمام الواقع.
إيران ليست مجرد دولة داخل حدودها الجغرافية، بل نقطة تقاطع لمصالح دولية كبرى. فالتعامل معها يفتح تلقائيًا ملفات أوسع تتعلق بالتوازنات العالمية، حيث تتقاطع حسابات موسكو وبكين مع أي تصعيد ضد طهران. بالنسبة لهاتين القوتين، لا يُنظر إلى إيران باعتبارها حليفًا عابرًا، بل كجزء من معادلة ردع أوسع في مواجهة النفوذ الأمريكي.
على الجانب الآخر، دخلت إسرائيل المشهد برؤية تقوم على إمكانية إدارة صراع محدود، يحقق أهدافًا عسكرية وأمنية دون الانزلاق إلى مواجهة طويلة. غير أن هذا التصور اصطدم بواقع مختلف؛ فإيران طورت على مدى سنوات أدوات ردع غير تقليدية، سواء عبر قدراتها الصاروخية أو عبر امتداداتها الإقليمية، ما يجعل أي ضربة محدودة قابلة للتحول إلى مسار مفتوح يصعب احتواؤه.
التحدي الأكبر لم يكن في القدرة على توجيه الضربة، بل في التحكم بنتائجها. فامتداد النفوذ الإيراني في عدة ساحات إقليمية يخلق بيئة قابلة للاشتعال المتعدد، حيث يمكن لأي تصعيد أن يتوسع أفقيًا، متجاوزًا حدود الحسابات الأولية. وهنا تتحول المواجهة من عملية عسكرية محددة إلى شبكة معقدة من التفاعلات التي يصعب ضبط إيقاعها.
أوروبا، بدورها، لم تُظهر حماسًا للانخراط في مسار تصعيدي مفتوح، وهو ما عكس فجوة واضحة بين الرؤية الأمريكية وبعض حلفائها. أما حلف الناتو، فبدا أكثر حذرًا في الاقتراب من مواجهة قد تحمل تداعيات تتجاوز الإقليم إلى الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة.
في الداخل الإيراني، لم تتحقق الرهانات كما خُطط لها. فبدلًا من أن يؤدي الضغط إلى تفكك سريع، أظهر النظام قدرة على التماسك، مستفيدًا من حساسية المجتمع تجاه أي تدخل خارجي، ومن بنية أمنية قادرة على احتواء الأزمات. هذا لا يعني غياب التحديات الداخلية، لكنه يعكس أن التغيير من الداخل ليس عملية يمكن تسريعها بقرار خارجي.
ما تكشف في النهاية هو أن أدوات القوة، مهما بلغت، تظل محكومة بسياقها. فالعالم لم يعد ساحة مفتوحة لإرادة طرف واحد، بل شبكة معقدة من المصالح والتوازنات. الولايات المتحدة لم تتعرض لهزيمة عسكرية مباشرة، لكنها واجهت حدود قدرتها على فرض مسار معين في بيئة شديدة التشابك.
في المقابل، لم تحقق إيران انتصارًا حاسمًا، لكنها نجحت في تثبيت معادلة أساسية: أنها قادرة على الصمود، وعلى رفع كلفة أي مواجهة إلى مستويات غير مريحة لخصومها.
الخلاصة أن ما جرى يتجاوز كونه أزمة عابرة، ليعكس تحولًا أعمق في طبيعة النظام الدولي. لم تعد المسألة تتعلق بمن يملك القوة فقط، بل بمن يستطيع إدارتها ضمن واقع معقد، حيث الصمود قد يكون في بعض الأحيان أكثر تأثيرًا من الهجوم.