في لافتة إنسانية مؤثرة
أمهات ضحايا الثأر يصنعن السلام ويُكرّمن بلقب “الأم المثالية صانعة السلام”
في مشهد إنساني نادر يعكس قوة الإرادة وقدرة المرأة المصرية على تحويل الألم إلى أمل، نجحت مجموعة من أمهات ضحايا الثأر في إنهاء صراعات دامية استمرت لسنوات بين عائلات متناحرة في صعيد مصر، ليقدمن نموذجًا فريدًا في التسامح وإعلاء قيمة الحياة.
ورغم الفقد الذي لا يُعوّض، اختارت هؤلاء الأمهات طريق العفو بدلًا من الانتقام، واضعات حدًا لدائرة الدم التي أرهقت مجتمعات كاملة، ومؤكدات أن السلام الحقيقي يبدأ من قرار شجاع داخل القلوب المنكسرة.
وجاء هذا التحول الإنساني اللافت تتويجًا بفعالية خاصة نظمتها مؤسسة صعيد بلا ثأر، حيث تم تكريم الأمهات ومنحهن لقب “الأم المثالية صانعة السلام” تقديرًا لدورهن في حقن الدماء ولمّ شمل الأسر المتخاصمة.
وعلى هامش الإفطار الجماعي للأسر المتصالحة وكبار القضاة العرفيين، والذي جمع عائلات من مختلف محافظات الصعيد، أكدت المؤسسة أن هذا الحدث ضمن جهودها المستمرة لنشر ثقافة التسامح وإنهاء الخصومات الثأرية، وذلك تحت قيادة فضيلة الشيخ الدكتور علي جمعة، رئيس مؤسسة مصر الخير.
كما أشارت مؤسسة صعيد بلا ثأر إلى أنها نجحت على مدار سنوات عملها في إنهاء المئات من خصومات الدم والثأر في مختلف قرى ومحافظات الصعيد، في إطار جهود متواصلة لحقن الدماء وإعادة الاستقرار المجتمعي.
ومن جانبها، أكدت صفاء عسران، رئيس المؤسسة وأول قاضية عرفية، أن السيدات يمثلن محورًا أساسيًا في التراجع عن الثأر، لما لهن من تأثير مباشر داخل الأسرة وقدرتهن على تغيير القناعات نحو التسامح.
وأضافت أن مسيرتها في ملف المصالحات الثأرية شهدت المشاركة في إنهاء نحو 725 حالة ثأر في مختلف محافظات الصعيد، وهو ما يعكس حجم الجهود المبذولة في هذا الملف الإنساني شديد الحساسية.
وأكد القائمون على المبادرة أن هذه النماذج النسائية تمثل حجر الأساس في تغيير ثقافة الثأر، مشيرين إلى أن الأم حين تختار التسامح، فإنها تزرع قيمًا جديدة في الأجيال القادمة، قوامها التعايش والأمان بدلًا من الكراهية والعنف.
كما أشاد عدد من القيادات المجتمعية والقضاة العرفيين بالدور المحوري الذي لعبته الأمهات في إتمام المصالحات، مؤكدين أن تدخل المرأة في هذه الملفات الحساسة أصبح عاملًا حاسمًا في إنهاء النزاعات المستعصية.
ويأتي هذا التكريم ليبعث برسالة واضحة مفادها أن صانعات السلام الحقيقيات هن من يحوّلن وجع الفقد إلى طاقة للبناء، وأن المجتمع لا ينهض إلا حين تنتصر قيم الرحمة على دعوات الانتقام.