بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

بحق فاطمة وأبيها.. حقيقة الجدل الديني والسياسي حول دعاء خطبة عيد الفطر

الدكتور السيد عبد
الدكتور السيد عبد الباري

بحق فاطمة وأبيها، على إثر هذا الدعاء شهدت الساحة الدينية والإعلامية في مصر، مع إشراقة عيد الفطر المبارك لعام 2026، حدثاً أثار عاصفة من النقاشات التي تجاوزت في أبعادها حدود الممارسة الشعائرية المعتادة لتصل إلى عمق التوصيف العقدي والاصطفاف المذهبي. 
 

تمثل هذا الحدث في الدعاء الذي ألقاه الدكتور السيد عبد الباري، رئيس القطاع الديني بوزارة الأوقاف، خلال خطبة العيد التي أقيمت في مسجد "الفتاح العليم" بالعاصمة الإدارية الجديدة، بحضور رئيس الجمهورية وكبار قادة الدولة.

 إن النص الذي تلاه الخطيب، والمتمثل في التوسل بآل بيت النبوة عبر صيغة "اللهم يا رب، بحقِّ فاطمة وأبيها، وبعلها وبنيها، وبالسر الكامن فيها، لا تجعل لمصر حاجة عند لئيمٍ مِن خلقك"، لم يكن مجرد كلمات ختامية، بل تحول إلى  جدال بين المؤسسة الدينية الرسمية، والتيارات السلفية، والمواطنين.

الدكتور السيد عبد الباري

يعد الدكتور السيد عبد الباري أحد الوجوه البارزة في الهيكل الإداري والدعوي لوزارة الأوقاف المصرية، تشير سيرته المهنية إلى تدرج وظيفي يعكس ثقة المؤسسة في توجهاته العلمية والمنبرية؛ حيث شغل سابقاً منصب وكيل الوزارة لشؤون الدعوة، ثم رئيساً للقطاع الديني، وهي المكانة التي عاد إليها بقرار من وزير الأوقاف الدكتور أسامة الأزهري بعد فترة قضاها في إدارة الشؤون المعنوية، ينتمي عبد الباري إلى المدرسة الأزهرية التقليدية ذات النزعة الصوفية السنية، وهو ما يفسر استخدامه للغة غنية بالرمزية الروحية والارتباط العاطفي بآل البيت.

 

التوسل بآل البيت

استخدم الخطيب صيغة "فاطمة وأبيها، وبعلها وبنيها"، وهي صيغة تحصر أقطاب آل بيت النبوة في السيدة فاطمة الزهراء، والنبي محمد صلى الله عليه وسلم، والإمام علي بن أبي طالب، والحسن والحسين رضي الله عنهم. هذه التراتبية اللفظية هي ذاتها المستخدمة في "حديث الكساء" الشهير، والذي يحظى بمكانة مركزية في الأدبيات الشيعية، وهو ما جعل بعض المتابعين يربطون بين الخطبة وبين التأثر بالمذهب الشيعي.

مفهوم السر الكامن

تعتبر عبارة "بالسر الكامن فيها" الجزء الأكثر غموضاً وإثارة للجدل من الناحية العقدية، ففي الاصطلاح الصوفي، يُشير "السر" إلى اللطائف الربانية والمواريث الروحية التي يختص بها الله بعض خلقه.

ومع ذلك، فإن هذا المصطلح يتقاطع مع مفاهيم "المقامات الملكوتية" الموجودة في الفكر الإمامي، كما في كتاب "الأسرار الفاطمية" لمحمد فاضل المسعودي، وهو ما استند إليه المعارضون للتدليل على "أعجمية" هذا الدعاء عن السياق السني الصرف.

 

الحجج السلفية في نقد الخطيب

استند النقد السلفي إلى عدة اعتبارات في رفض هذا الدعاء، موضحًا أن الأدعية الواردة في القرآن الكريم تقوم على التوجه المباشر إلى الله دون التوسل بجاه الأشخاص، كما أكد أن السنة النبوية اشتملت على أدعية كافية لقضاء الحاجات مثل طلب الكفاية بالحلال، دون الحاجة إلى إدخال وسائط، وحذر كذلك من أن المبالغة في تعظيم بعض الشخصيات قد تؤدي إلى الغلو، وتفتح الباب أمام روايات تاريخية مرفوضة لدى أهل السنة.

الرد الأزهري والصوفي

في المقابل، برزت أصوات علمية تدافع عن الخطيب، معتبرة أن الهجوم عليه ينبع من ضيق أفق عقدي. أكد الدكتور أسامة قابيل، من علماء الأزهر، أن الدعاء هو لله وحده، وأن ذكر آل البيت هو نوع من المحبة والتقرب إلى الله بمن يحبهم. كما ذهب الحبيب علي الجفري إلى أبعد من ذلك، مؤكداً أن محبة آل البيت هي من صلب عقيدة أهل السنة والجماعة، وأن المصريين لديهم "ذوق سني" خاص يربطهم بعترة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ينبغي التنازل عن هذا الميراث خوفاً من اتهامات التشيع.

فاطمة الزهراء: سيدة نساء العالمين

تحظى السيدة فاطمة بمكانة فريدة كونها بضعة من النبي صلى الله عليه وسلم، وقد وردت في فضلها روايات كثيرة في كتب السنة، مثل كونها سيدة شباب أهل الجنة.
 تبرز الروايات التاريخية زهدها وصبرها، وقصة زواجها من الإمام علي بمهر متواضع، وكيف كانت تعمل في بيتها حتى مجلت يداها. هذا النموذج من "القدوة" هو ما تحاول المؤسسة الدينية المصرية تسويقه كبديل للنماذج المتشددة.

الحسن بن علي: الخليفة الراشد والسبط

تضمن الدعاء ذكر "بنيها"، والمقصود بهما الحسن والحسين رضي الله عنهما. الحسن بن علي، الذي يوصف في المصادر السنية بالخليفة الراشد الخامس، يمثل في الوعي المصري رمزاً للسلام وحقن الدماء بعد تنازله عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان تحقيقاً لنبوة جده صلى الله عليه وسلم، إن استحضار هذه الرموز في خطبة العيد يحمل رسائل سياسية واجتماعية تدعو لوحدة الصف ونبذ الفرقة.

 

موقف وزارة الأوقاف: الدفاع عن "أوسط الوسط"

جاء رد وزارة الأوقاف على لسان متحدثها الرسمي الدكتور أسامة رسلان حاسماً وهادئاً في آن واحد، أكد رسلان أن عقيدة المصريين في حب آل البيت هي "أوسط الوسط"، وأن الوزارة ترفض استغلال هذه المحبة في "الملاسنة أو المكايدة أو المكاسب". تتبنى الوزارة في عهدها الجديد رؤية تقوم على أن محبة آل البيت هي حصن ضد التطرف السلفي، وأن المودة في القربى هي أمر قرآني لا يمكن التشكيك فيه.

التفاعل عبر منصات التواصل

رصدت التقارير الإخبارية تبايناً حاداً في ردود الأفعال:

المدافعون: رأوا في الدعاء تعبيراً عن "روح مصر" الصوفية المحبة للنبي وآله، واعتبروا الهجوم على الدكتور عبد الباري محاولة "سلفية" لاختطاف المنابر الرسمية.

المهاجمون: تركزت تعليقاتهم على أن الخطيب "شيع" المنبر، وأن استخدامه لصيغ غير مأثورة في خطبة رسمية يحضرها رئيس الدولة هو سقطة كبرى.