بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

«مايك» والحرب على إيران: دليل موجز للحائرين (2)

فى الجزء الأول من حديثنا عن «مايك»، رأينا كيف يمكن لإنسان حَسَن النية أن يتعايش مع قدر كبير من الالتباس المعرفى. أما الآن، فالسؤال الأهم هو: كيف نفسّر لمايك -ببساطة ولكن دون تبسيط مُخل- ما يجرى فعلاً فى هذه الحرب؟
أول ما يجب قوله لمايك هو أن ما يحدث لا يمكن فهمه بمعزل عن التاريخ. وهنا يفيدنا المؤرخ البريطانى من أصل لبنانى Albert Hourani، الذى أصرّ فى كتاباته على أن الشرق الأوسط ليس مسرحاً لأحداث منفصلة، بل هو فضاء تاريخى متصل، تتراكم فيه الطبقات عبر قرون. فالعلاقات بين إيران والغرب، على سبيل المثال، لا تبدأ مع الأخبار العاجلة، بل تمتد إلى انقلاب عام 1953، حين أُطيح برئيس الوزراء محمد مصدق بدعم غربى. هذا الحدث، الذى قد يبدو بعيداً عن ذاكرة مايك، لا يزال حاضراً بقوة فى الوعى السياسى الإيرانى.
ومن هنا يمكن أن نوضح لمايك أن كثيراً من مواقف إيران اليوم -سواء اتفقنا معها أو اختلفنا- تتغذى على ذاكرة تاريخية من التدخل الخارجى والشك العميق فى نوايا القوى الكبرى. فالدول، مثل الأفراد، لا تنسى بسهولة.
ثم ننتقل إلى نقطة ثانية: كيف تُصنع الرواية؟ هنا يعود بنا الحديث إلى Edward Said، الذى نبّه إلى أن المعرفة ليست بريئة دائماً، وأن من يملك وسائل الإعلام يملك إلى حد بعيد القدرة على تحديد ما يُرى وما يُخفى. ففى تغطية الحروب، تُختزل الوقائع المعقدة فى سرديات بسيطة: «تهديد» مقابل «دفاع»، «خير» مقابل «شر». هذه الثنائيات المريحة قد تساعد مايك على الفهم السريع، لكنها تمنعه من الفهم العميق.
ولعل ما يحتاجه مايك هنا هو أن يتعلم الشك المنهجى: أن يسأل دائماً ما الذى لم يُذكر؟ من الذى يتكلم؟ ومن الذى غاب صوته؟
وهنا نعود إلى سؤال مايك الجوهرى: هل يمكن أن يكون القصف الأمريكى والإسرائيلى «مفيداً» للشعب الإيرانى؟
الجواب الذى يجب أن يُقال بوضوح لا لبس فيه هو: لا. فالشعب الإيرانى -على الرغم من احتجاجاته المتكررة ضد قسوة نظام الملالى- لا يستقبل القصف الخارجى بوصفه تحريراً، بل بوصفه اعتداءً على الوطن نفسه. والتجربة التاريخية تُظهر أن الشعوب، حين تتعرض لهجوم خارجى، تميل إلى الالتفاف حول الدولة لا إلى التمرد عليها.
ومن ثم فإن هذه الضربات لا تُضعف النظام بالضرورة، بل قد تمنحه شرعية إضافية، وتُسكت أصوات المعارضة الداخلية مؤقتاً باسم الدفاع عن الوطن. وكما أثبتت تجارب العراق وأفغانستان، فإن الحروب قد تُسقط أنظمة، لكنها فى الغالب تترك الشعوب نفسها فى أوضاع أكثر هشاشة، لا أكثر حرية ولا استقراراً.
ما يحتاجه مايك، فى النهاية، ليس موقفاً سياسياً جاهزاً، بل عدّة معرفية: حس تاريخى، ووعى نقدى بالإعلام، وقدرة على رؤية البشر خلف العناوين.