بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

قرار بلا رقم وسفير بلا مستحقات.. لماذا تم إبعاد سامي مهنا عن منصبه؟

بوابة الوفد الإلكترونية

في عالم السياسة، نادرًا ما تكون القرارات الإدارية مجرد إجراءات روتينية بعيدة عن التأثيرات المحيطة بها، كثيرًا ما تختبئ خلفها حسابات نفوذ، وتوازنات داخلية، وصراعات تدور بعيدًا عن الأنظار، وفي خضم هذا الواقع يجد بعض الأفراد أنفسهم يدفعون ثمن معارك لم يكونوا طرفًا فيها، هذه الحقيقة تتجسد بوضوح في تجربة السفير الفلسطيني السابق في ألبانيا، سامي مهنا، الذي أُبعد عن منصبه بعد خمسة أشهر فقط من تعيينه، في قرار مفاجئ لم يُرفق بأي تفسير رسمي أو توضيح للأسباب.

كان من المتوقع أن يتم إعفاء سامي مهنا من منصبه نظرًا للظروف السياسية التي يعيشها والده، نظمي مهنا، رئيس هيئة المعابر الفلسطينية السابق، حول اتهامات بالفساد رغم غياب الأدلة بشكل واضح، غير أن الغريب في الأمر أن قرار الإعفاء جاء مباشرة من رئيس دولة فلسطين، محمود عباس، وهو الحق المخول له قانونيًا بموجب قانون السلك الدبلوماسي الفلسطيني الذي يتيح للرئيس إعفاء أي موظف متى شاء. 

ومع ذلك، فإن المعاناة الحقيقية بدأت بعد قرار الإعفاء، إذ لم يكن القرار المفاجئ دون سبب واضح سوى بداية لسلسلة من المشاكل التي واجهها سامي رغم التزامه المهني الكامل.

أبرز المشكلات تكمن في توقف مستحقاته المالية منذ شهر أغسطس وحتى نهاية مهامه في ديسمبر، ويشكل هذا انتهاكًا للقانون الفلسطيني الذي يكفل حقوق الموظفين عند انتهاء خدمتهم، وفقًا للمادة رقم (4) لسنة 1998 المنظمة للعمل الوظيفي في السلطة الفلسطينية، وكذلك قانون السلك الدبلوماسي الفلسطيني رقم (13) لسنة 2005، الذي يضمن لأعضاء السلك الدبلوماسي حقوقهم من رواتب وبدلات وفق اللائحة التنفيذية، ويؤكد على تسوية المستحقات المالية للدبلوماسي عند إنهاء الخدمة، إلا أن هذه الحقوق لم تُستوف حتى الآن.

إلى جانب المعاناة المعنوية، طالت الاتهامات سامي مهنا حول طريق وصوله لمنصب سفير فلسطين في ألبانيا، حيث روجت شائعات بأنه وصل للمنصب بالواسطة أو من خلال نفوذ والده، غير أن الواقع يوضح أن سامي اجتاز امتحانات وزارة الخارجية الفلسطينية وتدرّج في السلم الوظيفي بدءًا من سكرتير ثالث إداري، وصولًا إلى منصب مستشار دبلوماسي عام 2022، ثم تم تكليفه لاحقًا برئاسة بعثة فلسطين في ألبانيا برتبة مستشار أول، ما يعكس مسارًا وظيفيًا مهنيًا واضحًا ومستحقًا.

كما يتمتع سامي بخلفية أكاديمية قوية، حيث حصل على درجتي ماجستير؛ الأولى في الأمن والدبلوماسية، والثانية في الجريمة المنظمة والإرهاب، وهو ما يعكس تأهيله الأكاديمي والمهني لمنصبه الدبلوماسي الرفيع، هذه المؤهلات تجعل أي ادعاءات حول وصوله للمنصب بالواسطة غير دقيقة وتفتقر إلى الأساس الواقعي.

حاول سامي تقديم شكوى إلى إحدى الهيئات المستقلة لحقوق الإنسان في فلسطين، لكنه واجه مماطلة واضحة في بدء الإجراءات، إضافة إلى ذلك، رفض عدد كبير من المحامين تقديم استشارات قانونية بشأن مستحقاته المالية، فيما تعرض للتشويه من بعض وسائل الإعلام الفلسطينية، ما أسهم في زيادة معاناته الشخصية والمهنية، وطرح تساؤلات جدية حول شفافية إدارة الموارد المالية وحماية حقوق الدبلوماسيين في السلطة الفلسطينية.

واللافت في الأمر أن المرسوم الصادر عن الرئيس محمود عباس جاء خاليًا من رقم رسمي، وهو ما يثير تساؤلات قانونية جوهرية؛ إذ كيف يمكن لقرار مهني مصيري أن يصدر دون توثيق رقمي واضح يُعد أحد أركان صحة القرارات الإدارية؟

وفي السياق ذاته، يبرز خطاب وزارة الخارجية الفلسطينية كعنصر إضافي مثير للجدل، حيث منح مهلة لا تتجاوز يومين فقط لإنهاء المهام، وهي مدة تبدو غير منطقية عمليًا لسفير يدير بعثة دبلوماسية، بما يشمل تسليم العهدة والملفات والعلاقات الرسمية، وهو ما يتعارض مع الأعراف الدبلوماسية المستقرة، حتى وإن لم يُنص عليه صراحة في القوانين.

كما أن صياغة الخطاب، رغم استخدامها لعبارات مثل "راجين التكرم"، إلا انها تحمل في جوهرها طابع الإلزام المباشر، ما يعكس طبيعة قرار حاسم لا يقبل التأجيل أو النقاش، بجانب الأخطاء الإملائية في الخطاب، ويُلاحظ كذلك أن تسلسل الإجراءات جاء سريعًا ومباشرًا على نحو غير معتاد، الأمر الذي يفتح الباب أمام تساؤلات حول ما إذا كان هذا التسريع مقصودًا في حد ذاته، وليس مجرد إجراء إداري طبيعي.