من يملك قرار وقف الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية؟
من يملك قرار وقف الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية؟
سؤالٌ يتصدر المشهد العالمي اليوم، ويؤرق الشعوب والحكومات على السواء، في لحظة تاريخية فارقة تجاوزت فيها الحرب الأمريكية الإسرائيلية - الإيرانية حدود الاشتباك التقليدي إلى تخوم الانفجار الاستراتيجي.
فمع وصول الصواريخ الإيرانية إلى محيط مفاعل ديمونة النووي ومنطقة عراد قرب المركز النووي الإسرائيلي، واتساع التهديدات المرتبطة بمضيق هرمز، لم تعد المواجهة محصورة بين أطرافها المباشرة، بل بدأت تتحرك داخل إطار أوسع من الاصطفاف الدولي المتصاعد، ومحاولات الولايات المتحدة وإسرائيل حشد الحلفاء في أوروبا ودول الخليج للمشاركة في الحرب.
وفي المقابل، تتشكل جبهة المواجهة الأخرى التي تضم إيران وروسيا والصين وكوريا الشمالية، فضلًا عن وكلاء طهران في اليمن ولبنان وسوريا والعراق وبعض الدول العربية الأخرى، وهو ما ينذر بإعادة إنتاج مشهد الاستقطاب الدولي واندلاع حرب عالمية ثالثة على أرض الشرق الأوسط.
كما أن حجم مخاطر هذه الحرب لا يمكن إدراكها دون النظر إلى كلفة النزيف المتصاعد، إذ خرجت الحرب من إطار «الضربة المحدودة» إلى استنزاف شامل، بعدما تم استُهدف أكثر من 90 موقعًا عسكريًا إيرانيًا رئيسيًا وضرب أكثر من 1000 هدف عسكري واقتصادي، وضرب حقل «جنوب فارس» الذي يمثل نحو 70% من إنتاج الغاز الإيراني، فيما بلغت تكاليف إطلاق الصواريخ والمسيّرات الإيرانية وحدها نحو 6 مليارات دولار، مع تصاعد الكلفة اليومية.
وعلى الجانب الأمريكي الإسرائيلي، تجاوزت تكاليف الحرب أكثر من 20 مليار دولار حتى الآن، فضلًا عن تزايد الخسائر البشرية بين العسكريين والمدنيين.
أما على المستوى العالمي، فقد قفزت أسعار النفط عالمياً ما بين100–120 دولارًا للبرميل، مع تحذيرات ببلوغه 180 دولارًا، في ظل تعطل نحو 10 ملايين برميل يوميًا، فيما خسرت شركات الطيران العالمية أكثر من 50 مليار دولار من قيمتها السوقية، وارتفعت أسعار الوقود عالميًا بنسب تصل إلى 30%، وهو ما تسبب في اضطراب الأسواق العالمية وتصاعد مخاطر ركود تضخمي عالمي.
بهذا المشهد، لم تعد الحرب مواجهة عسكرية فحسب، بل شلال نزيف بشري وعسكري واقتصادي مفتوح، وهنا يبرز السؤال الحاسم: من يملك القدرة على وقف هذا الانحدار قبل أن يتحول إلى انفجار شامل؟
ولماذا تبدو مصر تحديدًا، في هذه اللحظة، الدولة الأكثر أهلية للقيام بدور الوسيط القادر على كبح التصعيد، واستعادة منطق السياسة، ومنع انزلاق المنطقة، وربما العالم، إلى حرب أوسع؟
الإجابة تبدأ من حقيقة بسيطة وعميقة في آنٍ واحد، وهي أن الأزمات الكبرى لا يوقفها الضجيج، بل توقفها الدول التي تملك وزنًا سياسيًا حقيقيًا، وشرعية إقليمية، وقنوات اتصال، ومصلحة مباشرة في منع الانهيار، ومصر في هذه الحرب تحديدًا ليست مجرد دولة كبيرة في محيطها العربي، بل دولة تقع في قلب معادلة الأمن الإقليمي، وتدرك بحكم الجغرافيا والتاريخ أن النار إذا خرجت عن حدود السيطرة فلن تتوقف عند خرائط المتحاربين، بل ستصيب البنية كلها ومنها: توازنات القوة، ومسارات الطاقة، والممرات البحرية، والأسواق، وأمن الدول الوطنية في المنطقة بأسرها.
لذلك، فإن تحرك القاهرة هنا ليس ترفًا دبلوماسيًا، ولا بحثًا عن دور رمزي، بل استجابة طبيعية لمسؤولية دولة تعرف أن استقرار الشرق الأوسط جزء لا يتجزأ من أمنها القومي، ومن أمن العالم الذي يمر جزء كبير من تجارته عبر هذه المنطقة.
ومن هنا تكتسب الوساطة المصرية معناها الحقيقي، فهي ليست وساطة بين طرفين متخاصمين فقط، وإنما محاولة لإنقاذ الإقليم من الانتقال إلى طور أخطر، تصبح فيه الحرب ذاتها أداة لإعادة توزيع النفوذ الدولي بالقوة المسلحة.
وحين تصل الصواريخ إلى محيط منشآت شديدة الحساسية قرب ديمونة، وحين يصبح مضيق هرمز ورقة ضغط عسكرية واقتصادية في آنٍ واحد، وحين تبدأ القوى الكبرى في إعادة تموضعها على خلفية هذه المواجهة، فإن المسألة لم تعد نزاعًا عسكريًا محدودًا، بل صارت أزمة مركبة تتداخل فيها اعتبارات الردع النووي غير المعلن، وأمن الطاقة، وحرية الملاحة، والاستقطاب الدولي، وفي مثل هذه اللحظات، لا يعود السؤال: من يطلق الصاروخ التالي؟ بل: من يملك القدرة على إطفاء المسار كله قبل أن يصبح أكبر من الجميع؟
وإذا كانت كثير من العواصم تستطيع أن تدعو إلى التهدئة، فإن مصر من الدول القليلة القادرة على أن تمنح هذه الدعوة وزنًا سياسيًا ومضمونًا عمليًا، فهي أولًا تملك شرعية عربية تجعل تحركها مفهومًا بوصفه دفاعًا عن استقرار جماعي، لا عن أجندة خاصة ضيقة، وقد ظهر ذلك في المبادرة المصرية التي قادت إلى بيان مشترك لعدد من وزراء خارجية الدول العربية والإسلامية والإقليمية يرفض الهجمات الإسرائيلية على إيران، ويؤكد احترام سيادة الدول وضرورة تسوية النزاعات بالوسائل السلمية.
كما أن مصر تمتلك خبرة دبلوماسية متراكمة في إدارة الأزمات المعقدة، بما يسمح لها بالتحرك في المسافات الضيقة بين الأطراف المتصارعة دون أن تفقد توازنها أو استقلال قرارها.
كما تملك القاهرة قنوات قائمة مع واشنطن والعواصم الغربية، إلى جانب قدرتها على إدارة حوار مع القوى الإقليمية المختلفة، وهو ما يجعلها مؤهلة لطرح تهدئة جدية، لا مجرد مبادرة إعلامية عابرة.
وليس سرًا أن الموقف المصري الرسمي منذ بداية هذا المسار كان واضحًا في رفض الحلول العسكرية بوصفها طريقًا مسدودًا، والتحذير من أن منطق القوة لن ينتج أمنًا مستدامًا لأي طرف، وأن اتساع الحرب يهدد السلم والأمن الإقليميين والدوليين معًا.
وهذه ليست لغة دبلوماسية إنشائية، بل قراءة استراتيجية واعية، إذ تؤكد التجارب التاريخية أن الحروب التي تبدأ تحت شعار الردع كثيرًا ما تنزلق، إذا تُركت دون احتواء، نحو تفكيك البيئة الإقليمية برمتها، وفتح المجال أمام قوى أكبر ومصالح أكثر عنفًا، وصولًا إلى تسويات تُفرض بالقوة لا بالتوافق.
ومن هنا، فإن جوهر الدور المصري لا يقتصر على الدعوة إلى وقف إطلاق النار، بل يمتد إلى حماية المنطقة من الانجراف نحو معادلة جديدة تصبح فيها القوى الدولية هي المتحكمة في رسم مستقبل الشرق الأوسط على حساب دوله وشعوبه.
كما تنبع أهمية الوساطة والدور المصري من إدراك القاهرة بأن أمن دول الخليج ليس شأنًا إقليميًا منفصلًا، بل هو امتداد مباشر لأمنها القومي ولمصالحها الاقتصادية الحيوية، وفي مقدمتها قناة السويس، فأي تهديد لاستقرار الخليج أو اضطراب في مضيق هرمز ينعكس فورًا على حركة التجارة والطاقة العالمية، ويضع قناة السويس تحت ضغط مزدوج بين زيادة الاعتماد عليها من جهة، وتصاعد المخاطر المرتبطة بأمن الملاحة من جهة أخرى.
ولعل ما يعزز من مركزية الدور المصري أن القاهرة لا تتحرك من منطلق دعائي أو انفعالي، وإنما من منطق بناء مسار عقلاني للخروج من الأزمة، فهي تدفع، وفق ما أعلنته رسميًا، نحو التفاهمات التي تقرب وجهات النظر بين إيران والولايات المتحدة والدول الأوروبية المعنية بالملف النووي، وتعمل على إتاحة الفرصة للحلول الدبلوماسية والحوار والعودة إلى طاولة المفاوضات، ومنع التصعيد، ودعم السلم والأمن على المستويين الإقليمي والدولي.
إن العالم لا يحتاج اليوم إلى وسيط يضيف بيانًا جديدًا إلى أرشيف الإدانات، بل إلى دولة تملك من الرصيد والمكانة والاتصال والاتزان ما يسمح لها بأن توقف الاندفاع نحو الهاوية، ومصر بحكم موقعها وثقلها وتجربتها، هي الدولة الأقدر على أداء هذا الدور، لأنها تعرف كيف تخاطب المصالح لا الانفعالات، وكيف تفهم توازنات القوة دون أن تستسلم لها، وكيف تدير لحظات الخطر بمنطق الدولة لا بمنطق المحاور.
لهذا كله، فإن الوساطة المصرية ليست خيارًا ترفيهيًا، بل خط الدفاع الأخير قبل انزلاق المنطقة إلى هاوية مفتوحة، وحرب عالمية قد تأكل الأخضر واليابس، فمع كل يوم يغيب فيه مسار جاد للتهدئة، تتآكل فرص الاحتواء، وتتصلب خطوط الاستقطاب الدولي، وتُدفع المنطقة دفعًا نحو لحظة انفجار قد تعيد رسم خرائطها بالنار لا بالتفاهم.
إنني أطالب الدولة المصرية وقيادتها الحكيمة بتكثيف جهودها الدبلوماسية، وأن يتحول دورها من «فاعل دبلوماسي» إلى قوة توازن تسعى إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه، قبل أن يصبح الثمن خارج السيطرة المحلية والإقليمية.