التنافس الأمريكي–الصيني وتحوّلات الدور العربي في الاقتصاد العالمي
تتجه المنافسة بين الولايات المتحدة والصين نحو منحى يعيد تركيب أسس الاقتصاد العالمي من جديد، بعدما تجاوزت حدود التنافس التجاري أو التكنولوجي، لتغدو المواجهة حول القواعد المؤسسة للنظام الدولي، بما يشمل تدفق السلع، ونظم التمويل، والبنى الاستراتيجية للتقنية. وتقف المنطقة العربية في صميم هذا التحول العالمي بوصفها فضاءً جيوسياسياً ذا وزن استثنائي، إذ تحتضن ما يقارب 55.5 في المئة من الاحتياطي النفطي العالمي المؤكد وفق أحدث التقديرات، وتمتلك موقعًا حيويًا في منظومة إمدادات الغاز ومسارات الطاقة الدولية عبر ممرات استراتيجية مثل مضيقي هرمز وباب المندب. هذا الموقع، بما يجمعه من موارد حيوية وطرق عبور لا غنى عنها، يمنح المنطقة ثقلاً يصعب تجاوزه في الحسابات الاستراتيجية لكل من واشنطن وبكين، مهما تباعدت مصالحهما أو اشتد تنافسهما.
على مستوى التبادل التجاري، أصبحت الصين الشريك التجاري الأكبر للدول العربية خلال السنوات الأخيرة، إذ بلغ حجم التجارة الصينية العربية في عامي 2022 و2023 نحو 400 إلى 431 مليار دولار، وهو ما يمثّل قفزة بأكثر من عشرة أضعاف مقارنة ببداية الألفية الجديدة، مع توسع واضح في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والتقنيات الخضراء. وفي المقابل، تحتفظ الولايات المتحدة بموقع مركزي داخل البنية الاقتصادية والأمنية للمنطقة، إذ تشير المعطيات الحديثة إلى أنّ حجم التبادل التجاري مع دول محورية مثل الإمارات بلغ ما بين أربعين وثمانية وأربعين مليار دولار في عام 2024، وهو رقم يعكس امتداد النفوذ الأمريكي في قطاعات استراتيجية تشمل التكنولوجيا المتقدمة والطيران والخدمات المالية. ويُظهر هذا التشابك الاقتصادي أن الحضور الأمريكي في المنطقة لم يعد قائمًا فقط على الشراكات الأمنية التقليدية، بل توسّع ليشمل منظومة اقتصادية وتكنولوجية متجذرة يصعب تجاوزها في المدى المنظور.
وتكشف هذه المؤشرات عن واقع متعدد الأبعاد يمنح المنطقة العربية مجالًا واسعًا للمناورة الاستراتيجية ضمن المساحات البينية بين القوى الكبرى، وفق مقاربات أقرب إلى التحوّط الاستراتيجي منها إلى الارتباط الأحادي. ومع توظيف محكم لهذا الترابط بين الاقتصاد والجيوسياسة بصورة مدروسة، يمكن للعالم العربي أن يحوّل تنافس القوى الدولية إلى عامل تمكين لتوسيع نطاق حركته ضمن البنية العالمية القائمة. من هذا المنظور، يمكن النظر إلى التنافس الأمريكي الصيني بوصفه نافذة استراتيجية للدول العربية، شرط أن يُقرأ بعيون جيو-اقتصادية تتجاوز منطق الانحياز لمعسكر دون آخر.
كثفت الصين خلال العقد الماضي حضورها في مبادرة الحزام والطريق، وهي مبادرة ضُخ فيها أكثر من 1.3 تريليون دولار عالميًا في مشاريع استثمارية وإنشائية، كان للشرق الأوسط نصيب متزايد منها، إذ قُدّر حجم الصفقات المتعلقة بالمنطقة بحوالي 39 مليار دولار في عام واحد فقط، بما في ذلك الطاقة والبنية التحتية والموانئ. وفي الوقت ذاته، تُظهر بيانات التجارة أن مجلس التعاون الخليجي يحتل المرتبة السادسة عالميًا في حجم تجارة السلع، وأن صادراته النفطية وحدها بلغت أكثر من 525 مليار دولار في عام 2023، رغم انخفاض الأسعار مقارنة بالسنة السابقة. هذا التموضع يمنح المنطقة العربية قدرة حقيقية لتشكيل بنود التعاون الاقتصادي مع القوى الكبرى، وبناء علاقات مشروطة بمصالحها الوطنية.
على المستوى العملي، يتيح هذا الواقع إمكان تبني نهج عربي يقوم على تعدد الشراكات بدل أحادية الارتباط. فبدلاً من الانخراط في منطق الاستقطاب بين واشنطن وبكين، يمكن للدول العربية أن تتعامل مع كل منهما من موقع المصالح المتقاطعة، فتُشجّع الشركات الصينية والأجنبية الأخرى على إقامة صناعات تحويلية وتكنولوجية داخل المنطقة، لا الاكتفاء بمشاريع التشييد أو التجميع، وتربط في الوقت ذاته الوصول إلى الأسواق العربية وموارد الطاقة بشروط واضحة تتعلق بنقل المعرفة وبناء القدرات المحلية. وعلى الجهة الأخرى، يمكن استثمار علاقات طويلة مع الولايات المتحدة في مجالات الأمن والدفاع والتقنية العالية، من أجل الدخول في شراكات البحث والتطوير، لا الاقتصار على دور المشتري النهائي للمنظومات الجاهزة.
غير أن استثمار هذا التنافس يتطلب قدرًا كبيرًا من الانضباط الاستراتيجي. فالقضايا التقنية الحساسة مثل شبكات الجيل الخامس، والبنى السحابية، والذكاء الاصطناعي، أصبحت مساحات صراع مفتوح بين واشنطن وبكين، وغالبًا ما تُمارَس ضغوطها على الدول لاختيار مزود واحد أو منظومة واحدة. هنا تحتاج العواصم العربية إلى رؤى دقيقة توازن بين اعتبارات الأمن السيبراني والسيادة الرقمية من جهة، والحاجة إلى جذب استثمارات ضخمة في البنى التحتية التكنولوجية من جهة أخرى. والميل إلى حلول هجينة، من خلال تنظيم محكم للبيانات وقواعد صارمة للأمن الرقمي وشفافية في العقود، يمكن أن يحد من مخاطر الارتهان لطرف واحد، سواء في الشرق أو الغرب.
إلى جانب ذلك، يظل الضعف التصنيعي أحد أهم التحديات البنيوية الكبرى في العالم العربي. فمعظم الدول العربية ليست جزءًا رئيسيًا من سلاسل القيمة الصناعية العالمية، باستثناء بعض التجارب المحدودة في البتروكيماويات والألمنيوم وبعض الصناعات المتقدمة في دول خليجية محددة. هذا الواقع يعني أن المنطقة، إن لم تدخل بقوة في ساحات نقل التكنولوجيا وبناء مصانع حقيقية لا مجرد مناطق تجميع، ستظل في موقع السوق المستهلكة، سواء للسلع الصينية أو الأمريكية. ومن هنا تأتي أهمية ربط أي اتفاقات تجارية واستثمارية بمعايير واضحة تتعلق بنسبة المحتوى المحلي، وبرامج التدريب ونقل المعرفة، والإسهام في بناء منظومات للبحث والتطوير داخل الجامعات ومراكز الأبحاث العربية.
في المقابل، تمتلك الدول العربية عناصر قوة لا يمكن الاستهانة بها إذا ما نُظر إليها بمنطق جماعي. فالاحتياطيات الهيدروكربونية، وأهمية المضائق البحرية، والأسواق الاستهلاكية المتنامية التي تضم أكثر من 400 مليون نسمة، تجعل من المنطقة ركيزة لا غنى عنها في معادلات الطاقة والتجارة العالمية. وإذا ترافق هذا المسار مع تكامل اقتصادي إقليمي فعلي، تصبح الدول العربية قادرة على الانتقال من موقع الخضوع للشروط الخارجية إلى امتلاك القدرة على وضع أطر التعاون بوصفها مجموعة اقتصادية موحدة.
إن تحويل التنافس الأمريكي الصيني إلى فرصة عربية لا يجب أن ينحصر في تحسين شروط التعاقدات أو الاستثمارات، بل يجب أن يتصل بإعادة دور وعلاقة المنطقة بالاقتصاد العالمي. مسار الدول العربية لن يتحدد في المفاضلة بين واشنطن وبكين، بل في تقرير ما إذا كانت المنطقة ستظل ساحة مفتوحة لتنافس القوى الخارجية، أم أنها ستتحول إلى طرف يمتلك القدرة على توظيف هذا التنافس لإرساء اقتصادات منتجة للمعرفة والصناعة والتكنولوجيا.
ولكن ولكي تنتقل المنطقة من موقع المتأثر بالتنافس الدولي إلى موقع الفاعل فيه، لا بد أن يُبنى القرار الاقتصادي العربي على رؤية تستند إلى الموقع الجيوستراتيجي والطاقات البشرية والبنية التكنولوجية، لكي تتمكن من تحويل التنافس القائم إلى بوابة لمشاريع تنموية جديدة.
الزاوية الأوسع للمشهد الحالي تُظهر أن المنطقة العربية مرشّحة للتحول إلى نموذج جديد داخل النظام الدولي؛ نموذج لا يدور في مدار قوة واحدة، بل يضبط علاقاته وفق مبدأ التعددية المصلحية، فيستفيد من الانفتاح الصيني على دول الجنوب، ومن الخبرة المالية والتكنولوجية الأمريكية بصورة مدروسة، فيما تُصاغ السياسة الخارجية بطريقة تحول دون تمكّن أي طرف من استغلال الموقع الجيوستراتيجي العربي بوصفه أداة ضغط أو وسيلة لفرض إملاءات خارجية.
وإذا تحقق مثل هذا المسار، سيكون التنافس بين واشنطن وبكين مجرد إطار خارجي ومحيط عام، بينما يجري التحول الحقيقي داخل الاقتصادات والمجتمعات العربية نفسها، حيث يُعاد بناء نموذج تنموي يخرج بالمنطقة من موقع الحلقة الضعيفة في سلاسل الإنتاج إلى حضور مؤسساتي وفكري مؤثر داخل منظومات اتخاذ القرار العالمي.