ضمير مستتر
إسرائيل بين عقدة البقاء ورغبة الهيمنة
ـ حديث بنيامين نتنياهو عن أن إسرائيل ستخرج من المواجهة مع إيران لتصبح قوة عظمى إلى جوار الولايات المتحدة، ليس مجرد طموح سياسى أو دعاية داخلية، بل تعبير عن لحظة تاريخية يشعر فيها كيان الاحتلال بأنه أمام فرصة لإعادة تشكيل الإقليم، وخوف كبير من أن يفقد هذه الفرصة إلى الأبد.
ـ هذا التناقض هو مفتاح فهم دوافع ما يجرى، فإسرائيل ليست دولة واثقة من تفوقها وقدرتها بالكامل كما تُروِّج لنفسها، ولا هى دولة منهارة كما يتمنى البعض، بل هى كيان يعيش بين شعورين متضادين:
الأول: تفوق خارجى نسبى، يتجلَّى فى قدرتها على إدارة صراعات متعددة وفرض ذراعها العسكرى على جبهات مختلفة شمالًا وشرقًا وجنوبًا ـ حتى الآن ـ فى توقيت واحد.
الثانى: هشاشة داخلية كامنة، تتعلق بطبيعة المجتمع، وتوازناته، ومخاوفه الأمنية ومستقبل تماسكه للبقاء على الأرض، خاصة وهو مجتمع يمضى أغلب يومه فى الملاجئ، وهو ما يجعل جبهته الداخلية لا تنظر إلى الدولة باعتبارها حقيقة ثابتة، بل باعتبارها مشروعًا مؤقتًا قابلًا للانكسار من الداخل، او فى طريقه للانكسار، وهى فكرة تاريخية متجذرة فى وعى المجتمع الإسرائيلى ونخبه السياسية والأمنية، تستعيد عقدة "حشمونئيم" وحاجز الثمانين عامًا الذى تحدثت عنه تفصيلًا فى مقال رأى قديم تحت عنوان (عقدة الحشمونئيم وزوال دولة العدو)
او كما اشار دكتور عبد الوهاب المسيرى فى كتابه "انهيار اسرائيل من الداخل"، الى أن الخطر الحقيقى الذى يواجه إسرائيل لا يكمن فقط فى خصومها، بل فى التناقضات الكامنة داخل بنيتها ذاتها.
فمجتمع قام على خليط غير متجانس من الهويات، ويعيش تحت ضغط الخوف الدائم وهاجس البقاء، يظل أكثر عرضة للتآكل من الداخل، حتى فى لحظات تفوقه الخارجى.
ومن هنا، يمكن فهم كيف يتحول التصعيد الخارجى أحيانًا إلى وسيلة لتأجيل أزمات داخلية، أكثر منه تعبيرًا عن قوة مستقرة.
هذا القلق الوجودى لا يظهر فى التحليلات أو التوقعات الإسرائيلية فقط، بل يتسلل إلى خطاب قادتها، كما في إشارات نتنياهو المتكررة إلى ضرورة “تجاوز لحظات تاريخية حرجة تهدد استمرارية الدولة".
ـ ورغم أن هذا القلق قد لا يعنى أن إسرائيل على وشك السقوط بالفعل، لكنه يعكس شيئًا أكثر خطورة فى تقديرى.. هو أنها تتصرف ككيان يتوقع السقوط ويخشاه، فينطلق بآلته العسكرية في كل الاتجاهات،
وفق نمط تاريخى متكرر فى سلوك الدول، حيث تميل الكيانات التى تشعر بتهديد وجودى داخلى إلى التمدد لا الانكماش بمنطق “الهروب إلى الخارج" (Diversionary War Theory)
أى إلى تصعيد خارجى لتخفيف الضغط الداخلى، وهو ما تؤكده تجارب تاريخية عديدة، حيث اندفعت قوى كبرى نحو التوسع تحت ضغط الخوف من الحصار أو الانهيار.
لذلك، فالتمدد الإسرائيلى ـ غير المنطقى ـ على الجبهات المختلفة ليس دليل قوة أو ثبات كما قد يظن البعض، بل هو نتاج ذلك الخوف الكامن فى العقلية الإسرائيلية من المستقبل، ليصبح اندفاعها فى كل اتجاه.. آلية دفاع نفسى واستراتيجى فى آن واحد، أى محاولة لفرض هيمنة إقليمية تُخفف من وطأة الهاجس الأمنى وتضمن التفوق العسكرى، وتؤجل مواجهة داخلية محتملة فى مجتمع بات أغلبه يوقن أن نخبته وضعته فى منتصف محيط من الكراهية، تجاوز نطاقه الاقليمى ليشمل شعوب العالم.
ـ لكن هل تسعى إسرائيل حقيقةً إلى تحقيق نصر استراتيجى على إيران تعود بعده الى التعايش مع شعوب المنطقة؟
الإجابة ـ فى تقديرى ـ ترتبط بطبيعة البيئة الإقليمية نفسها.
فوجود قوى موازنة يفرض حدودًا غير معلنة للحركة الإسرائيلية، حتى فى ذروة تفوقها العسكرى. أما إذا تراجعت هذه القوى، فستتلاشى القيود تدريجيًا، وتتوحش تداعيات الهواجس الأمنية، وتتحول حرية الحركة فى غياب التوازن إلى عامل إغراء سيدفع حتمًا نحو قرارات أكثر عدوانية.
ـ هنا تظهر المعادلة:
كيان يمتلك تفوقًا عسكريًا وتكنولوجيًا واضحًا ودعمًا غير محدود من قوى عظمى، لكنه يشعر فى ذات الوقت بقلق وجودى داخلى وخارجى!
وهى معادلة صعبة لا تنتج استقرارًا، بل تنتج سلوكًا عدائيًا غير قابل للتنبؤ.
لذلك، فما ينطبق على إيران كقوة يُراد اليوم تحجيمها، سينطبق غدًا ـ بدرجات مختلفة او بأساليب غير عسكرية ـ على قوى إقليمية أخرى كتركيا ومصر، أو حتى السعودية لو خطر لها إعادة النظر فى تحالفها مع الولايات المتحدة.
ـ إذًا، علينا الوعى أن النظام الإقليمى الجارى إعادة تشكيله، لن يسمح بصعود قوة مهيمنة خارج الإطار المرغوب فيه، وهنا تبرز أهمية الرؤية المصرية، التى إذا فهمتها الدول المعنية فأُحسنت توظيفها، فلن تكون مجرد طرف فى صراع، بل قوة قادرة على إعادة بناء التوازن الإقليمى، وصد أى محاولة لإعادة تشكيله بما يميل لصالح إسرائيل.
ـ الشاهد.. إسرائيل ليست مجرد قوة عسكرية متفوقة، بل كيان يعيش صراعًا دائمًا بين رغبة الهيمنة والطمع، وخوف داخلى متجذر من المستقبل، وهاجس أمنى لم يهدأ أو يطمئن يومًا واحدًا خلال 80 عامًا، أمضى المجتمع أغلب ايامها فى الملاجئ. تحت وطأة حروب تنتهى لتبدأ.
هذا التناقض هو ما يوجه سياساتها، ويجعل سلوكها غير متوقع، ويدفعها أحيانًا لاتخاذ قرارات حادة على المستوى الإقليمى، ليس بالضرورة من أجل فرض القوة بحد ذاتها، بل لطمأنة عقل داخلها الباطن القلق، حيث تستند فى ذلك الى الدعم الأمريكى الذى يغذيه بعض العرب من خلال ارتباطهم بالبيت الأبيض.
فى ظل هذا الواقع، يبقى التحدى الإقليمى الأكبر لكل القوى الإقليمية، هو فهم هذه العقلية المتناقضة كما تفهمها مصر، واستثمار الفرصة لمنعها من فرض واقعٍ منفردٍ، ضمانًا لتوازن إقليمى أكثر استقرارًا، وأقل اندفاعًا نحو صراعات قد لا يملك أحد كلفة نهايتها.
ولك يا مصر السلامة… وسلامًا يا بلادى.