المسيح أم جنكيز خان.. التاريخ لا يكتبه سفاح
تعد الجدلية القائمة بين منطق القوة المادية وسلطة القيم الأخلاقية واحدة من أقدم الصراعات الفكرية في التاريخ الإنساني، وهي تطل برأسها اليوم من خلال رؤى سياسية تحاول تمجيد "الواقعية الفجة" على حساب المبادئ الروحية والإنسانية. إن الادعاء بأن القسوة المفرطة والنفوذ الطاغي هما المعيار الوحيد للغلَبة، وأن نماذج الغزو الدموي كإرث جنكيز خان تتفوق على الرسالات الأخلاقية والروحية التي جسدها السيد المسيح، ليس مجرد قراءة مشوهة للتاريخ، بل هو سقوط في فخ "وهم القوة" الذي طالما أدى بأصحابه إلى نهايات كارثية.
وعندما تتعالى نباح الأصوات القادمة من دوائر الاحتلال في تل أبيب، أو تتبنى آلة الدعاية الصهيونية خطاباً يمجّد "إرث جنكيز خان" ويرى في القسوة والنفوذ معياراً وحيداً للغلبة، فإننا لا نرى في ذلك قوة، بل نرى اعترافاً صريحاً بهزيمة أخلاقية ووجودية. إن هذا الكيان الذي يحاول تقزيم القيم الروحية الكبرى لصالح نماذج البطش، يكشف عن حقيقة كونه مجرد طارئ على التاريخ والجغرافيا، يفتقر إلى أدنى مقومات الشرعية الإنسانية أو القانونية. إن محاولة تصوير "الشر" كمنتصر حتمي هي فلسفة العاجز الذي لا يملك جذوراً في الأرض، فالبقاء ليس للأقسى عسكرياً، بل لمن يمتلك الحق التاريخي والشرعية الأخلاقية، وهي صفات لا يملكها ولن يملكها احتلال يقتات على دماء الأبرياء.
إن المواجهة الحقيقية اليوم ليست مجرد صراع على حدود أو نفوذ، بل هي صراع بين عقلية ترى في الدم وسيلة للسيادة، وبين ضمير إنساني حي يؤمن بأن الحق أقوى من الدبابة. إن الخطاب الذي يتبناه اليمين المتطرف ورئيس وزرائه، والذي يضرب بعرض الحائط كل القوانين الدولية والقيم الأخلاقية، هو خطاب يضع نفسه في صدام مباشر ليس فقط مع جيرانه، بل مع جوهر الحضارة البشرية. إن محاولة تصوير "الشر" كمنتصر حتمي إذا امتلك السطوة هي مغالطة شيطانية، فالحق يمتلك قوة كامنة في صدور المؤمنين به، وهي قوة لا تكسرها قسوة جنكيز خان ولا نفوذ الطغاة المعاصرين.
إن الرهان على "منطق القوة" واعتناق عقيدة "جنكيز خان" في القرن الحادي والعشرين ليس دليلاً على المنعة، بل هو إفلاس قيمي وانتحار سياسي طويل الأمد. إن رئيس الوزراء الإسرائيلي، ومن خلفه تيار اليمين المتطرف، حين يرفعون لواء القسوة المفرطة ويقدسون النفوذ الغاشم كبديل عن الحق والعدل، إنما يكتبون بأيديهم فصلاً جديداً من فصول الهزيمة الأخلاقية التي لا تترمم. فالتاريخ، الذي يحاولون تزييف حقائقه، لم يُخلّد يوماً طاغيةً استمد شرعيته من فوهة بندقية أو من أنين الأبرياء، بل قذف بهم جميعاً إلى مزابل النسيان. إن "الشر" الذي يتبجحون بقدرته على الغلبة هو في جوهره ضعفٌ مستتر خلف السلاح، وإن محاولة التطاول على القيم الروحية والرسالات السماوية التي نادت بالمحبة، ما هي إلا صرخة يأس أمام صمود الحق الكامن في صدور أصحاب الأرض. فليعلم هؤلاء أن القلاع التي تُبنى على الظلم هي أوهن من بيت العنكبوت، وأن إرادة الشعوب المؤمنة بعدالة قضيتها هي القوة "المقدسة" الحقيقية التي لن تكسرها غطرسة النفوذ ولا جنون القوة، وسيبقى الحق شامخاً بينما يندثر الطغاة ويبقى أثرهم لعنةً تطاردهم في صفحات التاريخ.