إفطار على مائدة الكرامة.. حين يكتب عمال النظافة معنى الوطن
فى حياة الإنسان لحظات لا تُقاس بطولها بل بعمق أثرها ومن بين تلك اللحظات ستظل مشاركتى فى إفطار رمضانى مع عمال النظافة والتجميل بمركز ومدينة البدرشين بمحافظة الجيزة علامة فارقة فى وجدانى لما حمله هذا اللقاء من دلالات إنسانية عميقة ورسائل وطنية صادقة.
لم يكن الإفطار مجرد تجمع تقليدى بل كان مشهداً يعكس روح التقدير لفئة تُعد من أهم ركائز المجتمع وقد ازداد المشهد قيمة بحضور قيادات تنفيذية وشعبية ونخبة من الشخصيات العامة وأساتذة الجامعات ورموز العمل العام فى صورة تجسد وحدة الصف والاعتراف الجماعى بقيمة هؤلاء الجنود المجهولين.
فى تلك الأمسية لم تكن المائدة هى العنصر الأبرز بل ما دار حولها من مشاعر صادقة حيث بدت فى عيون عمال النظافة معانى العزة والرضا رغم قسوة الظروف رأيت رجالاً ونساءً يعملون فى صمت يواجهون صعوبات العمل وقلة الإمكانات ومع ذلك يحتفظون بابتسامة تعكس قوة الإرادة ونبل العطاء كما لفتتنى مشاركة المرأة فى هذه المهنة الشاقة فى صورة مشرّفة تجسد روح الكفاح المصرى الأصيل.
إن غياب هذه الفئة ولو للحظة كفيل بأن يخلّ بتوازن الحياة اليومية فالشوارع، والمؤسسات والحدائق، والصحة العامة جميعها تعتمد بشكل مباشر على جهودهم فهم ليسوا مجرد عاملين بل صمام أمان حضارى يحمى المجتمع من التدهور البيئى والصحى ورغم ذلك لا يزال كثير منهم يواجه تحديات اقتصادية ومعيشية لا تتناسب مع حجم ما يقدمونه من جهد وتضحيات.
وعند النظر إلى تجارب دولية نجد نماذج جديرة بالاهتمام ففى بعض الدول المتقدمة يحظى عامل النظافة بتقدير مادى ومعنوى كبيرين وتُوفر له بيئة عمل متكاملة تحفظ كرامته كما تقدم بعض الدول الإفريقية مثل «رواندا» نموذجاً ملهماً من خلال تخصيص يوم شهرى يشارك فيه جميع المواطنين فى أعمال النظافة والخدمة المجتمعية بما يعزز روح الانتماء ويُرسخ مفهوم المسؤولية المشتركة.
إن استلهام مثل هذه التجارب وتطبيقها بصورة تتناسب مع الواقع المصرى يمكن أن يُحدث تحولاً نوعياً فى الوعى العام ويُعيد صياغة العلاقة بين المواطن وعامل النظافة من علاقة متلقٍ للخدمة إلى شريك فى المسئولية.
ومن هذا المنطلق تبرز الحاجة إلى رؤية متكاملة لدعم هذه الفئة تبدأ بإعادة النظر فى منظومة الأجور وتوفير التأمين الصحى الشامل وتزويدهم بالمعدات الحديثة إلى جانب إطلاق برامج تدريب وتأهيل مستمرة وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية كما أن للإعلام دوراً محورياً فى تسليط الضوء على جهودهم وتعزيز مكانتهم فى الوعى المجتمعى.
وفى هذا السياق يظل اقتراح تخصيص يوم وطنى لتكريم عمال النظافة خطوة مهمة نحو ترسيخ ثقافة التقدير بحيث يكون مناسبة للاحتفاء بجهودهم والاستماع إلى مطالبهم وتحويل التقدير من مجرد كلمات إلى سياسات وإجراءات ملموسة.
إن الأمم لا تُقاس فقط بما تملكه من إمكانات بل بقدرتها على إنصاف أبنائها خاصة أولئك الذين يعملون فى صمت بعيداً عن الأضواء وعمال النظافة هم من هؤلاء الذين يستحقون كل تقدير وإجلال فهم بحق جنود الجمال الذين يصوغون ملامح الوطن فى أبهى صورة ويستحقون أن نمنحهم ما يليق بعطائهم من احترام ورعاية.
المشرف العام على مركز «رع» للدراسات الاستراتيجية