أمن الخليج بين إخلاص الشقيق وغدر الحليف
أقلام مشبوهة تحركها جهات معينة تصطاد في الماء العكر، للوقيعة بين مصر وشقيقاتها بالخليج، عبر حملة مغرضة تتهم مصر بالوقوف مع إيران ضد دول الخليج العربية، والشماتة في الأخيرة والفرح بما تعانيه من أضرار، نتيجة الحرب الدائرة هناك بين أمريكا والكيان العنصري من ناحية، وإيران من ناحية أخرى، لدرجة أن قال كاتب خليجي: "كنا نعتقد أن مصر أم الدنيا، فاكتشفنا أنها زوجة الأب، لا تريد حتى أن تواسي أبناء زوجها الأول."
وهذا منطق كاذب وعجيب، فهناك ملايين من أبناء مصر مقيمون في دول الخليج، ويتعرضون للأخطار نفسها التي يتعرض لها مواطنو تلك الدول، ففي الحروب لا تفرق الصواريخ بين مواطن ومقيم، ولا يمكن أن تفرح مصر بأذية أبنائها وأشقائها، والموقف الرسمي لمصر كان واضحًا، وهو إدانة أي قصف يستهدف دول الخليج، إلا أن هذه الإدانة فيما يبدو لم تعجب بعضهم، ممن يحاولون إدخال مصر في صراعات إقليمية لا توافق عليها، وحرب لم يستشرها فيها أحد قبل شنها، افتعلتها أطراف خارجية من أجل هدف يضر بالمنطقة العربية ككل، لأنه يرسم خريطة شرق أوسط جديد، على هوى من أشعل نيران الحرب، لخدمة مشروعه التمددي، الذي يخدمه بعضهم عن جهل بأهدافه الحقيقية، جهل يكشفه قول كاتب خليجي آخر: "وفي هذا الأطار تأتي علاقة دولة الإمارات مع إسرائيل كخيار استراتيجي واع، يشكل ركيزة لشراكة متقدمة، تسهم في بناء منظومة استقرار إقليمي أوسع، تقوم على الثقة المتبادلة، والالتزام العملي بحماية أمن المنطقة، إن هذه العلاقة لم تبن على انفعال، بل على قراءة واقعية لطبيعة المخاطر الإقليمية، وتداخلها مع التحولات الدولية".
وقد كانت مصر دومًا واعية بأخطار التحالف مع قوى من خارج المنطقة العربية، رافضة ومحذرة من الاستناد على هذه القوى تحت دعوى الدفاع عن دول المنطقة، ومؤكدة أن أمن المنطقة يبدأ من داخلها، وأن قضايا المنطقة تحل بواسطة أبنائها وليس بتدخلات خارجية، وقدمت بديلًا يتمثل في اتفاقية لبناء جيش عربي موحد، يحمي الدول الموقعة عليها، بعيدًا عن تدخل جهات خارجية، ولأسباب يعلمها القاصي والداني وأدت الاتفاقية في مهدها، وفضّلت دول الخليج التحالف مع أمريكا عن تشكيل قوة عربية مشتركة، فسلمت بذلك أمنها لمن لا يؤتمن، وجعلت أرضها رهينة له، وها هي الأحداث تكشف أن من أؤتمنته على أمنها، لا يهمه أمنها وإنما أمن دويلة مارقة محتلة أرض غيره، والأكثر أنه يطالب دول الخليج بمشاركته عدوانه، وهو منزلق لو حدث ووقعت فيه هذه الدول، ستفاجأ بالحليف يغادر المعركة وينسحب، تاركا دولهًا تتحارب نيابة عنه، وهو ما أدركه بعض المخلصين من أبناء الخليج، حيث كتب الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني رئيس وزراء قطر السابق، عبر حسابه على منصة إكس محذرًا من أن "الاشتباك المباشر بين دول المجلس وإيران إن وقع سيستنزف موارد الطرفين وسيتيح الفرصة لقوى كثيرة للتحكم بنا بحجة مساعدتنا للخروج من الأزمة ووقف الاستنزاف.. ولذلك فإن من المهم تجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع إيران، وهذا هو رأيي الشخصي".
وأضاف: "هناك قوى تريد أن تشتبك دول المجلس مباشرة مع إيران، وهي تعلم أن الاشتباك الحالي بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى سينتهي.. وعلينا كذلك أن ندرك أنه بعد انتهاء هذه المعركة، التي أريد لها أن تندلع قبل انتهاء مفاوضات السلام، التي كنا نعول عليها كثيرًا لتجنب الصراع، وستكون هناك قوى جديدة في المنطقة، وسيكون لإسرائيل سطوة على منطقتنا".
وقال الأمير تركي الفيصل رئيس الاستخبارات السعودية الأسبق في تصريحات لـ CNN Arabic إن دول الخليج حذرت واشنطن سابقاً من أن العمل العسكري ضد إيران لن يقتصر عليها، مشيرًا إلى أن إيران ستستهدف الوجود الأمريكي بالمنطقة.
وفي مقالة له عبر مجلة "إيكونوميست" البرطانية أكد بدر البوسعيدي وزير الخارجية العماني أن أكبر خطأ ارتكبته الإدارة الأميركية كان "السماح لنفسها بالانجرار إلى هذه الحرب من الأساس".
وفي تقديري أن كثيرًا من الضربات التي يقال إن إيران استهدفت بها دول الخليج بمسيرات شبيهة لما تستخدمه إيران، كانت ضربات أمريكية صهيونية، إذ اعترف الأدميرال براد كوبر(القيادة المركزية الأمريكية) أن: "طائرة لوكاس كانت في الأصل تصميمًا لطائرة إيرانية أخرجنا مكوناتها، ووضعنا عليها عبارة صنع في أمريكا، والآن نطلقها على أهداف جيدة"، وهذا الإعتراف يعزز الرأي القائل بوجود مؤامرة لتوريط دول الخليج في حرب مع إيران، عبر استهداف أراضيها ومنشئاتها بطائرات مسيرة شبيهه بمسيرات إيرانية صنعتها أمريكا.
إن المنطقة العربية حوصرت بحرب عدوانية، كشف الكاتب "الإسرائيلي" البارز آلون مزراحي أغراضها بقوله: " أنا مع من يقولون إن هدف الحرب الدائرة الآن أبعد من إيران. أنا أصدق من يقولون إن الهدف هو إزالة حجر عثرة أمام تنفيذ خرائط الشرق الأوسط الجديد، الذي تحدث عنه الأمريكيون والإسرائيليون كثيرًا".
وهو ذاته ما أكده جو كينت رئيس المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، الذي استقال احتجاجًا على الحرب العبثية مع إيران، مشيرًا إلى أن نتنياهو جر ترامب إلى حرب تأكل الأخضر واليابس، بحجة غير صحيحة هي أن إيران تمثل خطرًا على أمريكا.
إن هذه حرب لا ناقة فيها ولا جمل لأخوتنا في الخليج، هدفها التمهيد لإقامة "إسرائيل الكبرى"، ولو كان الثمن تدمير الخليج ودوله, بقصف منشآته النفطية ومحطات التحلية، اللتين هما عصب الحياة لأهلنا بالخليج، ثم تحميلهم فاتورة التدمير كاملة، إذ قال الصحفي العُماني سالم الجهوري في مداخلة له قبل أيام، مع قناة بي.بي.سي التلفزيونية (عربي) إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يضغط على دول الخليج، لتدفع له 2.5 تريليون دولار تكاليف المرحلة الفائتة (الأسبوعان الأول والثاني) من الحرب على إيران، وأشار في مداخلة مع القناة خلال نشرتها الإخبارية للساعة العاشرة صباحا إلى "أن دول الخليج، التي وجدت نفسها في مرمى النيران خلال الحرب، تتململ من سياسات وطلبات ترامب، وأنها ستعيد النظر في علاقاتها مع واشنطن بعد الحرب".
فهل تخوض دول الخليج حربًا صنعها عدو الأمة العربية، أم تصغي لصوت العقل وتوحد كلمتها وتضغط على واشنطن، لإيقاف هذا الصراع الدموي، إن إجابة السؤال مرهونة بما تحمله الأيام المقبلة من أنباء.