بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

الحاجة شادية.. 50 عامًا من العطاء وقلب أم لا يتقاعد

بوابة الوفد الإلكترونية

في أحد شوارع مدينة بلبيس الهادئة، تبدأ الحاجة «شادية شحاتة عبد الحليم الكوش» يومها قبل الجميع؛ رغم أن عمرها تجاوز السبعين، وأن خطواتها الآن تحتاج إلى عكاز لتساندها، إلا أن حركتها ما زالت مليئة بالحياة، وصوتها لا يفارق ابتسامتها الدافئة. 

من يراها لا يتخيل أنها أنهت خدمتها الحكومية منذ سنوات، لأنها ببساطة لم تعرف يومًا معنى التقاعد، والتمريض بالنسبة لها لم يكن وظيفة تنتهي بسن المعاش، بل رسالة حياة.

الحاجة شادية من مواليد الثالث من مارس عام 1955، تخرجت في معهد التمريض بجامعة الزقازيق عام 1976 بتقدير جيد جدًا، واختارت تخصص النساء والتوليد، ومنذ اليوم الأول وهي تشعر أن مكانها الطبيعي بجوار المرضى، تداوي آلامهم وتربّت على أكتافهم قبل أن تعطيهم الدواء، كانت تقول دائمًا «إن الكلمة الطيبة أحيانًا تشفي أكثر من الحقنة».

تزوجت عام 1975 من الحاج الشافعي، موظف في شركة هانو بنزايون «المعروفة سابقًا بشركة بيوت الأزياء الراقية»، ومعه بدأت حياتها التي امتلأت بالتحديات والمسؤوليات، وأنجبت أربعة أبناء، مروة ومحمد خريجا تجارة، وأحمد وسماح ليسانس آداب، ووجدت نفسها دائمًا بين دورها كأم وواجبها كزوجة وواجبها المهني.

 كانت تعمل صباحًا في عملها، ثم تعود لتتابع تفاصيل البيت وتطهي الطعام «تطبخ» لأولادها، وكأن ساعات اليوم لا تكفي، لكن قلبها وروحها كانت دائمًا متصلة بكل لحظة، تجسد الصبر والصمود، وتجعل القارئ يشعر بحجم تضحياتها اليومية وكفاحها المستمر.

لكن أصعب فصول حياتها بدأت حين أصيب زوجها بمرض الكبد، أربع سنوات كاملة بين المستشفيات والعلاج والتجارب الدوائية، لم تكن زوجة فقط، بل تحولت إلى ممرضة ملازمة له في البيت، تسهر بجواره وتخفف عنه الألم، وفي الوقت نفسه تربي أبناءها وتخرج إلى عملها، تقول إن تلك الفترة علمتها معنى الصبر الحقيقي، وإنها كانت تستمد قوتها من فكرة واحدة وهي «لازم البيت يفضل واقف».

وحين رحل الزوج، لم تسمح للحزن أن يهزمها، وشعرت أن عليها أن تكون الأم والأب معًا، وأكملت المسيرة وحدها، واحتضنت أبناءها حتى كبروا وتخرجوا، ثم وجدت نفسها محاطة اليوم باثني عشر حفيدًا يملأون البيت ضحكًا وحياة، كأنهم تعويض من الله عن كل تعب السنين.

في حياتها قرار واحد فقط تقول إنها ما زالت تتذكره بحسرة خفيفة، كانت هناك إعارة رسمية لدولة الكويت الشقيقة، وكم كانت فرحتها عندما قرأت اسمها في الجريدة الرسمية ضمن كشوف الموافق على إعارتهم رسميا، فكانت الإعارة فرصة كبيرة لتطوير مهنتها، وفي الوقت نفسه ستساهم بشكل ملحوظ في تحسين الوضع المالي للأسرة وتوفير حياة أفضل لأبنائها؛ لكنها رفضت الرحيل، لأن والدتها كانت مريضة بالسرطان، وقالت لها يومها: «هتسيبيني وتمشي يا شادية؟» لم تحتمل الفكرة، وأغلقت ملف السفر للأبد، تبتسم وتقول: «يمكن خسرت فرصة كبيرة بس كسبت رضا أمي، وده بالدنيا كلها».

بعد خروجها على المعاش من إدارة «الصحة المدرسية»، لم تجلس في البيت، ولازالت حتى اليوم تعمل مع كبار أطباء النساء والتوليد في العيادات الخاصة، تحضر العمليات، وتجهز المرضى، ويتنافس الأطباء على وجودها معهم لخبرتها ودقتها.

 أحد الجراحين أخفى «قطعة فوطة» أثناء عملية ليختبر تركيزها، فاكتشفتها فورًا قبل إغلاق الجرح، يومها ابتسم وقال لها: «إنتِ عين العملية».

ولا يقتصر دورها على العيادات فقط، فهاتفها لا يهدأ ليلًا أو نهارًا من: مريض يحتاج حقنة، مسن يريد تركيب كانيولا، حالة طارئة لا تستطيع الذهاب للمستشفى، لم تتعود يومًا أن ترفض أحدًا، حتى بعد منتصف الليل، كانت تخرج ومعها حقيبتها الطبية، وأحيانًا تأخذ كيس القمامة لتوهم زوجها أنها تنزل لدقائق، ثم تعود بعد أن تنقذ مريضًا. تقول ببساطة: «يمكن ربنا يخليني سبب في تخفيف وجع حد».

ورغم إصابتها بالمرض السكري وبعض متاعب السن، ومشيها الآن بعكاز، لا تزال تتحرك بروح شابة وقلب ممتلئ بالرضا، لا تتحدث عن بطولات، ولا ترى ما فعلته شيئًا استثنائيًا، تعتبره واجبًا فقط، لكنها بالنسبة لكل من عرفها كانت دائمًا أكثر من ممرضة بل كانت أمًا.

وفي عيد الأم، تبدو حكاية الحاجة شادية كأنها صورة صادقة للأم المصرية التي لا تشتكي، ولا تتراجع، تحمل البيت على كتفيها، وتفتح قلبها للجميع، أم لأولادها الأربعة، وجدة لاثني عشر حفيدًا، وأم كبيرة لكل مريض طرق بابها يومًا باحثًا عن الرحمة قبل العلاج.