إيران ..ونهاية دورها الإقليمي
أعتقد إلي حد كبير أن إيران إنتهت كقوة إقليمية فإيران اليوم تقاتل في ملعبها وحيدة تقريبًا، بعد أن فقدت جزءًا كبيرًا من أذرعها ونفوذها الإقليمي، وباتت تواجه مصيرها دون شبكة التحالفات التي اعتمدت عليها لسنوات. فمصالح الدول، في النهاية، تتقدم دائمًا على التأييد السياسي أو الأيديولوجي، سواء كان ضمنيًا أو علنيًا.
مما لاشك فيه أن إيران ارتكبت إأخطاء استراتيجية كبيرة خلال العقود الماضية. بدأت هذه الأخطاء بالتدخل العميق في الدول العربية ومحاولة إعادة تشكيل توازنات المنطقة عبر أذرع عسكرية وسياسية. فكان العراق وسوريا ساحتي نفوذ وصراع، بينما دفع لبنان واليمن وغزة أثمانًا باهظة نتيجة الصراعات الإقليمية التي تحولت فيها هذه الساحات إلى ميادين مواجهة بالوكالة.
لذلك لم تكن عودة حزب الله إلى الحرب مفاجئة. فقد دخل التنظيم المواجهة مرتين: الأولى تحت عنوان مساندة غزة، والثانية ردًا على اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي.لكن فهم هذا السلوك لا يمكن أن يتم فقط عبر الحسابات العسكرية أو ميزان القوى، لأن حزب الله ليس مجرد تنظيم مسلح، بل حركة عقائدية مرتبطة بمنظومة ثيوقراطية تقوم على مركزية المرشد الإيراني وشرعيته الدينية والسياسية
لاحقًا، انتقلت إيران إلى مرحلة الصدام المباشر مع إسرائيل، في محاولة لإضعافها أو إنهاء دورها الإقليمي، تمهيدًا لفرض نفسها قوة مهيمنة في الشرق الأوسط. لكن هذه الاستراتيجية فتحت أبواب مواجهة واسعة لم تكن طهران مستعدة لتحمل كلفتها بالكامل.
صحيح أن إيران خلال هذه الحرب وسّعت دائرة التصعيد عبر ضرب أهداف في دول الخليج، لكن هذا السلوك لم يكن عشوائيًا بالكامل. فقد سعت طهران إلى توسيع نطاق الصراع وخلق حالة فوضى إقليمية لتخفيف الضغط عنها، وفق منطق يقول: "عليّ وعلى أعدائي".
لكن هناك دافعًا آخر مهمًا وراء استهداف الخليج، وهو البعد الانتقامي والسياسي المرتبط بعلاقات بعض دول الخليج المتنامية مع إسرائيل، وخصوصًا الإمارات والبحرين بعد توقيع اتفاقيات ابراهام حيث تنظر إيران إلى هذه الاتفاقيات على أنها تحول استراتيجي خطير في ميزان القوى الإقليمي، لأنها تعزز الحضور السياسي والأمني لإسرائيل في الخليج، وهو ما تعتبره طهران تهديدًا مباشرًا لمشروعها الإقليمي.
فبعد أن تعرضت إيران خلال الفترة الأخيرة لضربات قاسية – تمثلت في انتهاك سيادتها، واستهداف بنيتها النووية، وتصاعد المعارضة الداخلية والفوضى السياسية منذ حرب يونيو الماضي وإغتيال قياداتها بدءا من المرشد الاعلي علي خامنئي وانتهاءا بعلي لاريجاني أمين المجلس الأعلي للأمن القومي الإيراني ،فضلا عن الضربة التي نفذتها إسرائيل بالتنسيق مع الولايات المتحده بمهاجمة منشآت الغاز في بوشهر والهدف ضرب البني التحتية الاقتصادية في إيران، باتت ترى أن ميزان القوة في المنطقة يتحرك لمصلحة إسرائيل.
وبهذا المعنى، فإن ضرب الخليج لم يكن فقط محاولة لتوسيع الحرب، بل أيضًا رسالة انتقامية ضد منظومة إقليمية جديدة ترى إيران أنها تتشكل على حساب نفوذها التاريخي في الشرق الأوسط، غير أن موقف دول الخليج بعدم الانخراط في الحرب كان خطوة مهمة في احتواء التصعيد. فهذه الدول تدرك أن الدخول في مواجهة مفتوحة سيحمل عواقب كارثية على استقرار المنطقة وبنيتها الاقتصادية والتحتية، كما أنه قد يفتح الباب أمام قرارات غير عقلانية من دولة تعيش لحظة أزمة وجودية.
غير أن التحدي الأكبر الذي تواجهه إيران اليوم ليس خارجيًا فقط، بل داخلي أيضًا. فالنظام الإيراني يعاني من أزمات سياسية واقتصادية عميقة. ورغم أن إيران تمتلك أحد أكبر احتياطات النفط والغاز في العالم، إضافة إلى موقع جيوسياسي بالغ الأهمية، إلا أن الاقتصاد يعاني من ضغوط شديدة، بينما تتزايد حالة الغليان داخل المجتمع الإيراني.
فالمعارضة الداخلية تتصاعد، والاحتجاجات تتكرر، في ظل نظام سياسي شديد المركزية، تتراجع فيه الحريات العامة، وتتعرض فيه المعارضة للقمع والسجن وتبقى حقوق الإنسان موضع انتقاد مستمر
لهذا فإن تراجع الدور الإقليمي لإيران لعد الحرب سيكون نتيجة حتمية وإن حدث لن يكون نتيجة الحرب مع إسرائيل والولايات المتحدة فقط، بل أيضًا نتيجة سياسات تراكمت منذ نهاية السبعينيات، حين تبنى النظام الإيراني مشروعًا إقليميًا قائمًا على تصدير الثورة والتدخل في شؤون دول المنطقة.
لقد سعت إيران طوال عقود إلى توسيع نفوذها في العالم العربي وإعادة تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط. لكن هذه السياسة نفسها قد تكون اليوم أحد الأسباب الرئيسية التي وضعتها في مواجهة مفتوحة مع قوى إقليمية ودولية، وأدخلتها في مرحلة إعادة رسم لخريطة النفوذ في المنطقة.
وفي هذا المشهد الجديد، يبدو أن إسرائيل تتقدم تدريجيًا لملء الفراغ الذي خلفه تراجع المشروع الإيراني، وهو الفراغ الذي كانت طهران تطمح يومًا إلى أن تتربع على عرشه في الشرق الأوسط.
لذا يجي علي الدول العربية أن لا تدع الفرصة لإسرائيل لملء هذا الفراغ والأستعداد للمواجهة الحتمية مع إسرائيل .