أثرٌ يبقى..
«الوداع».. كيف نودع رمضان دون أن نفقده
الآن، وبينما تلملم شمس رمضان خيوطها لترحل، ونسمع فى خلفية بيوتنا وشوارعنا نغمات «والله لسه بدري يا شهر الصيام»، يتسلل إلى قلوبنا حزن على فراق تلك الأيام التى كان فيها كل شيء مباركا ومختلفا، لكن السؤال الجوهرى الذى يطرحه منهج «أثرٌ يبقى» فى هذه اللحظات الفاصلة هو: هل يرحل رمضان منا حين يرحل عنا؟ وكيف نودعه وداع الواثقين لا وداع الفاقدين؟
الوداع الحقيقى لرمضان ليس بإغلاق المصاحف وتغيير روتين الطعام، بل هو «اختبار الاستمرارية»، فرب رمضان هو رب بقية الشهور، والسكينة التى وجدتها فى صلاتك، واللين الذى وجدته فى لسانك، والقوة التى وجدتها فى صبرك، ليست صفات رمضانية تنتهي برؤية الهلال، بل هى هبات ربانية منحت لك لتكون زادك طوال العام.
فى رحلة «أثرٌ يبقى»، نؤمن أن رمضان هو «معسكر تدريبى مكثف»، فإذا كنت قد تعلمت فيه أنك قادر على ترك الطعام والشراب الحلال لوجه الله، فأنت بالتأكيد أقدر على ترك الحرام والغيبة والظلم فى شوال وذى القعدة وما يليهما، الوداع الذى يترك أثرا هو الذى يترك خلفه إنساناً جديدا، أكثر رقيا، وأشد صلة بخالقه.
من علامات قبول رمضان أن تجد حالك بعده خيرا من حالك قبله، فلا تجعلوا العيد يكون خط نهاية لصلتكم بالسماء، بل اجعلوه نقطة انطلاق جديدة، إذا كنت قد تعودت على ركعتين فى السحر، فلا تقطعهما، وإذا كنت قد تعودت على ورد يومى من القرآن، فاجعل له نصيبا ولو يسيرا، الوفاء لرمضان هو الوفاء للمبادئ التى عشناها فيه.
إن «الأثر الذى يبقى» لرمضان هو أن ترى العالم بعين الصائم العارف، العين التى ترحم الضعيف، وتكظم الغيظ، وتحفظ الأمانة، رمضان يرحل بجسده، لكنه يترك روحه فى تفاصيل حياتنا، لا تودعوه بدموع اليأس، بل ودعوه بـ «عزم المخلصين» على البقاء على الطريق.
اللهم كما بلغتنا رمضان، تقبله منا، واجعل أثره فينا حيا لا يموت، ونورا لا ينطفئ، وسكينة لا تغادر قلوبنا أبدا.
رسالة اليوم:
«اجلس الليلة لدقائق فى مكانك المفضل الذى كنت تصلى فيه.. انظر إلى مصحفك، وتذكر كيف كنت قريبا من الله، عاهد نفسك بصدق: (يا رب، لن أعود كما كنت قبل رمضان)، اختر طاعة واحدة فقط التزمت بها فى الشهر، وقرر ألا تتركها طوال العام، هذا العهد الصغير هو الذى سيجعل لرمضان أثرا حقيقيا فى مستقبلك».