أستاذ تاريخ: فنجان القهوة في مصر طقس اجتماعي يعكس الهيبة ويجسد روح رمضان
أكد الدكتور عمرو منير، أستاذ التاريخ والحضارة، أن القهوة في مصر لم تكن يومًا مجرد مشروب عابر، بل كانت طقسًا اجتماعيًا متكاملًا يعكس المكانة والهيبة، موضحًا أنه إذا عدنا بالزمن نحو 300 عام إلى بيوت القاهرة العثمانية سنجد أن تقديم القهوة كان جزءًا من عرض متكامل يبدأ منذ استقبال الضيف، حيث يتم تبخير المجلس إعلانًا لقدوم شخصية ذات قدر، ثم تقديم فوطة حرير يضعها الضيف على حجره كدلالة على الاحترام والمكانة.
هذا الطقس لم يكن عشوائيًا
وأوضح خلال حلقة برنامج "رمضان حكاية مصرية"، المذاع على قناة الناس، اليوم الأربعاء، أن فنجان القهوة نفسه كان يحمل دلالات اجتماعية مهمة، سواء كان من الصيني الفاخر أو الفضة المذهبة، حيث كان يعكس مقام صاحب الدار، وليس مجرد ذوقه الشخصي، مشيرًا إلى أن هذا الطقس لم يكن عشوائيًا بل تحكمه قواعد دقيقة في التقديم والتوقيت، حيث لا يبدأ الشرب قبل الأكبر مقامًا، ولا تُرفع الفناجين أو تُمال بشكل يخالف الأدب المتعارف عليه.
وأضاف عمرو منير، أن طقوس الضيافة كانت تكتمل بتقديم الشربات كإشارة راقية لانتهاء الزيارة دون إحراج، ثم غسل الأيدي بماء الورد والتبخير الخفيف، في مشهد يعكس ذوقًا رفيعًا وتنظيمًا اجتماعيًا دقيقًا، لافتًا إلى أن هذه التفاصيل كانت تعبر عن ثقافة مجتمع كامل يرى في الضيافة فنًا ورسالة.
وأشار إلى أن حتى طريقة شرب القهوة كانت جزءًا من هذا النظام، حيث كان للصمت هيبة داخل المجالس، مستشهدًا بما رُوي عن الأميرة جويدان زوجة الخديوي عباس حلمي الثاني، التي كانت تحرص على شرب القهوة بهدوء شديد حفاظًا على وقار المجلس، لكنها كانت أحيانًا تكسر هذه الرسمية لتشعر ببساطة الحياة.
وبيّن أن القهوة عند عامة الناس كان لها طابع مختلف، حيث ارتبطت بالحكايات والونس على ضفاف النيل وفي الحقول والدكاكين، وكانت وسيلة للتواصل الاجتماعي بعيدًا عن الطقوس الرسمية، ومع ذلك احتفظت بمكانتها، حتى أن بعض عقود الزواج كانت تتضمن شروطًا تتعلق بعدم الإكثار من الجلوس في المقاهي.
اقرأ بالوفد.. كيف كان جامع سنان باشا قلب رمضان في القاهرة قبل 450 عامًا؟
وأوضح أن شهر رمضان في مصر يمثل امتدادًا حيًا لهذه الثقافة، حيث تتحول القهوة إلى رفيق أساسي لليالي الشهر الكريم، فتبدأ بعد الإفطار وتمتد إلى ما بعد التراويح وحتى السحور، في أجواء تجمع بين العبادة والونس، مؤكدًا أن القهوة لم تكن يومًا ضد روحانية الشهر، بل كانت جزءًا من نسيجه الاجتماعي.
ولفت إلى أن فنجان القهوة في مصر ليس مجرد مشروب، بل هو ذاكرة ممتدة وطقس متوارث يعكس هوية المجتمع، وأن رمضان يظل شاهدًا حيًا على هذا التراث الذي يجمع بين العبادة واللمة والسهر في لوحة مصرية أصيلة ممتدة عبر القرون.