كيف أعادت المنصات الرقمية تشكيل عقول جيل كامل؟
شاب يستهلك 200 فيديو في ساعة… لكن لا يستطيع قراءة مقال من 3 صفحات، حيث لم يعد الانتباه موردًا متاحًا كما كان في السابق، بل أصبح عملة نادرة في عالم رقمي سريع الإيقاع. في غضون دقائق، يمكن لمستخدم واحد أن يمرّ عبر عشرات المقاطع القصيرة، يضحك هنا، يتأثر هناك، ويتنقل بلا وعي من موضوع إلى آخر. هذه التجربة اليومية لم تعد مجرد وسيلة ترفيه، بل تحولت إلى نمط حياة يعيد تشكيل طريقة التفكير ذاتها، خصوصًا لدى جيل نشأ داخل هذا العالم.
منصات الفيديو القصير، لم تكتفِ بتغيير شكل المحتوى، بل أعادت تعريف العلاقة بين الإنسان والمعلومة. فبدلًا من القراءة المتأنية أو المشاهدة المطولة، أصبح استهلاك المعرفة يتم في لقطات سريعة لا تتجاوز ثوانٍ. هذا التحول خلق مفارقة لافتة: جيل قادر على التقاط المعلومة بسرعة مذهلة، لكنه يواجه صعوبة متزايدة في التعمق أو التركيز لفترات طويلة.
لكن تحميل الجيل وحده المسؤولية يبدو حكمًا متسرعًا. الحقيقة أن ما يحدث هو نتيجة مباشرة لما يمكن تسميته باقتصاد الانتباه، حيث تتنافس المنصات الرقمية على جذب المستخدم لأطول وقت ممكن. في هذا السياق، لا تُكافئ الخوارزميات المحتوى العميق بقدر ما تُكافئ ما هو سريع، صادم، أو مسلٍ. وبالتالي، فإن المستخدم لا يختار دائمًا ما يشاهده، بل يتم توجيهه تدريجيًا نحو ما يضمن بقاءه داخل المنصة.
مما يؤدى إلى التفكير المجزأ، حيث تتفكك الأفكار إلى مقاطع منفصلة، ويصبح من الصعب ربطها في صورة كلية متماسكة. ومع الوقت، قد ينعكس ذلك على القدرة على التحليل، واتخاذ القرار، وحتى تكوين رأي مستقل بعيدًا عن الترند.
الخطر الحقيقي، إذن، لا يكمن في سطحية هذا الجيل بقدر ما يكمن في فقدان التوازن. حين تصبح السرعة هي المعيار الوحيد، يتراجع العمق. وحين يهيمن الترفيه على المعرفة، يصبح من الصعب التمييز بين ما هو مهم وما هو مجرد ضجيج. هنا تحديدًا، يبرز التحدي الأكبر: كيف يمكن الاستفادة من مزايا هذا العالم الرقمي دون الوقوع في فخ الاستهلاك السطحي؟ أعتقد أن الحل يكمن في كيفية تعاملنا مع التكنولوجيا.
دكتور علاء عرابي