معركة الموانئ في شرق أفريقيا الصراع الصامت على بوابة التجارة الإفريقية
في السنوات الأخيرة لم تعد الموانئ في شرق أفريقيا مجرد نقاط لعبور السفن والبضائع، بل تحولت إلى ساحات تنافس اقتصادي وسياسي حاد بين دول المنطقة. فالميناء في هذه المنطقة لا يعني فقط تجارة دولة واحدة، بل يمثل بوابة حيوية لاقتصادات كاملة من الدول الحبيسة في قلب القارة، وهو ما جعل السيطرة على حركة الشحن في المحيط الهندي أشبه بمعركة استراتيجية لإعادة رسم خريطة النفوذ الاقتصادي في أفريقيا.
في قلب هذا الصراع يقف Port of Mombasa الكيني، الذي ظل لعقود طويلة أكبر بوابة تجارية في شرق أفريقيا. الميناء يخدم شبكة واسعة من الدول غير الساحلية مثل Uganda و Rwanda و South Sudan وحتى أجزاء من Democratic Republic of the Congo. وتشير البيانات الحديثة إلى أن الميناء تعامل في عام 2025 مع نحو 45.45 مليون طن من البضائع، بزيادة تقارب 11% عن العام السابق، كما تجاوزت حركة الحاويات 2.11 مليون حاوية قياسية، وهو ما يعكس دوره كمركز رئيسي للتجارة في المنطقة. 
لكن الهيمنة التاريخية لمومباسا بدأت تتعرض لتحديات متزايدة، أبرزها الصعود السريع لميناء Port of Dar es Salaam في تنزانيا، الذي نجح خلال السنوات الماضية في جذب جزء متزايد من حركة التجارة الإقليمية. فقد ارتفعت حركة البضائع في الميناء من نحو 13.6 مليون طن عام 2016 إلى أكثر من 24 مليون طن في 2023، وهو نمو لافت يعكس الاستثمارات التنزانية في تحسين الخدمات اللوجستية وتقليل زمن انتظار السفن. 
هذا الصعود لم يكن بلا أثر على مومباسا، إذ تشير تقارير إقليمية إلى أن الميناء الكيني خسر نحو 17% من حركة الشحن العابر لصالح دار السلام في بعض الفترات، نتيجة تنافس الممرات التجارية بين ما يعرف بـ“الممر الشمالي” عبر كينيا و“الممر المركزي” عبر تنزانيا. 
غير أن المنافسة لا تقف عند حدود كينيا وتنزانيا. فميناء Port of Berbera في أرض الصومال بدأ يفرض نفسه كلاعب جديد في المعادلة، بعد استثمارات ضخمة في تطويره وتحويله إلى مركز لوجستي يخدم إثيوبيا والأسواق الداخلية في القرن الإفريقي. وقد قفز الميناء بشكل ملحوظ في مؤشر أداء الموانئ العالمي الصادر عن البنك الدولي ليصل إلى المرتبة 106 عالميًا، وهو ما يعكس تحسن كفاءته التشغيلية وسرعة الخدمات المقدمة للسفن. 
وتزداد أهمية هذه المنافسة إذا ما وضعناها في سياق أوسع يتعلق بالجغرافيا الاقتصادية للقارة. فشرق أفريقيا تعد اليوم من أسرع مناطق أفريقيا نموًا سكانيًا واقتصاديًا، كما أنها بوابة رئيسية لأسواق ضخمة داخلية لا تمتلك منافذ بحرية مثل إثيوبيا وأوغندا ورواندا. وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن أكثر من 80% من تجارة هذه الدول تمر عبر الموانئ الساحلية في كينيا وتنزانيا والصومال، وهو ما يجعل كل ميناء يسعى إلى جذب أكبر قدر ممكن من حركة الترانزيت.
كما أن التحولات العالمية في طرق التجارة البحرية زادت من أهمية هذه الموانئ. فالتوترات في البحر الأحمر خلال السنوات الأخيرة دفعت بعض شركات الشحن إلى إعادة ترتيب مساراتها في المحيط الهندي، وهو ما رفع حركة الشحن في بعض موانئ شرق أفريقيا وجعلها نقاطًا بديلة لتوزيع البضائع في القارة.
في هذا السياق لم تعد معركة الموانئ مجرد تنافس اقتصادي، بل أصبحت جزءًا من سباق استراتيجي أوسع يشمل الاستثمارات الدولية والبنية التحتية والممرات البرية والسكك الحديدية. فكل دولة في شرق أفريقيا تدرك أن السيطرة على حركة الموانئ تعني امتلاك مفتاح التجارة الإقليمية، وبالتالي امتلاك نفوذ اقتصادي وسياسي يتجاوز حدودها الجغرافية.
وهكذا تبدو سواحل شرق أفريقيا اليوم وكأنها تشهد سباقًا صامتًا بين الموانئ، سباقًا لا تُطلق فيه المدافع ولا تُرفع فيه الأعلام العسكرية، لكنه قد يعيد رسم خريطة التجارة في القارة خلال العقد القادم.
فبين مومباسا ودار السلام وبربرة تتشكل معركة اقتصادية هادئة، لكن نتائجها قد تحدد من يملك بوابة أفريقيا إلى العالم.