قضية ورأى
مصر على جناح الفراشة!
ثمة مصطلح شهير فى علوم الاقتصاد والفلسفة والاجتماع، وهو «تأثير الفراشة». يصف المصطلح كيف يمكن لتغيير طفيف جدًا فى البدايات (مثل رفرفة جناح فراشة) أن يُحدث عواقب هائلة وغير خطية على المدى البعيد (مثل إعصار).
تطبيق أثر الفراشة فى أسواق السلع مثل البترول، والقمح، والذرة، والزيوت، يظهر بوضوح أكبر لأن هذه الأسواق مرتبطة مباشرة بالاحتياجات الأساسية للبشر وبالتغيرات الطبيعية والسياسية المفاجئة.. فما بالك بالسوق المصري؟
حرب فى أوكرانيا، فتجد ارتفاع أسعار الحبوب والزيوت فى مصر.
حرب فى إيران، فتجد ارتفاع أسعار المحروقات والسلع فى مصر.
.. لكن لماذا تجلس مصر على جناح الفراشة نفسها، ولاتكتفى باستقبال التأثيرات؟
السبب هو حالة انعدام الثقة بين الشعب والحكومة، إذ أصبح يرتاب فى كل قرار وكل خطوة وكل تصريح.
رقابة شكلية على الأسواق، ورقابة متوسط على الدعم.. ويكشف ذلك كم شكاوى أسعار اسطوانات البوتاجاز وكم الشكاوى من طريقة توزيع منحة السلع التموينية.
كما يكشف ذلك الطريقة التحفزية فى رفع أسعار المحروقات، فور وصول البترول إلى 116 دولارا للبرميل، ودون اكتراث بانخفاضه بعدها، كان الحكومة مقاول يشترى البترول »يوم بيوم»، مع أن غالبية التعاقدات 3 شهور وطويلة الأجل.
ومع التسليم بالسلطة الأبوية، فإن من حقنا أن نأكل ونشرب بأريحية، لا أن نلهث وراء شراء الحبوب.. فما بالك بالبروتين؟
فى إيران التى تحاصرها أمريكا منذ عقود، وعاشت حروبا متتالية، يبلغ متوسط الأجر السنوى الجديد نحو 3 آلاف دولار، بينما فى مصر 1800 دولار.
وحتى لا يقول أحد إن أسعار السلع فى إيران مرتفعة، فإن الموظف الإيرانى يستطيع أن يشترى بالحد الأدنى للأجور هناك، نحو 240 لتر زيت، بينما المواطن المصرى سيشترى نصف الكمية بالـ 7 آلاف جنيه.
الناس لا يمكنهم التوقف عن الأكل أو ركوب المواصلات العامة عند ارتفاع السعر، ولا يمكنهم أيضا تكرار تجارب الفوضى.
.. لكن فى الوقت نفسه، فإن البقاء فى حالة عدم الاستقرار الاقتصادى تعنى أن السلطة الأبوية تفقد ثانى أهم مميزاتها بعد ميزة الأمن، والجميع سيخسر، لأنه لا يمكن تنمية الإنسان الجائع.
تنمية الإنسان هى ركيزة أساسية فى «رؤية مصر 2030»، التى طرحت فى 2016 ولم تعد تفصلنا عنها سوى 4 سنوات فقط، إذ كانت تستهدف الاستثمار فى البشر وتحسين جودة الحياة من خلال مبادرات قومية تركز على تطوير التعليم، والصحة، والثقافة، والرياضة، وتمكين الشباب والمرأة، مع تعزيز التحول الرقمى والتنمية الاجتماعية والاقتصادية.
لاينكر أحد، حجم الاستقرار الأمنى، ولا ينكر أحد ضخامة مشروعات البنية التحتية، ولا التحديات الإقليمية والداخلية.. لكن انعكاس ذلك على السواد الأعظم من الناس »بطئ جدا».
كثيرون يعملون فى مهنتين وثلاث، وبالكاد يغطون نفقات أسرهم من مأكل وملبس وعلاج، ولا يدخرون جنيها واحدا.
إذن.. ما هو الحل؟
الحل بسيط، وهو الاستعانة بأهل الخبرة فى السياسة والاقتصاد، ومنحهم صلاحيات التطبيق، والانتقال من السلطة الأبوية المطلقة إلى أبوية ناعمة، توجه وترشد وتترك مساحة للآخرين.
حفظ الله، مصر