ارتباك مسلح
إذا كانت الأهداف المعلنة لأسباب العدوان الأمريكى الصهيونى على إيران باتت محل خلاف، فمن المؤكد الآن وبعد دخول هذه الحرب أسبوعها الثالث أن ترامب يريد توسيع نطاق هذا الصراع وتوريط الحلفاء فيه، فقد جدد الرئيس الأمريكى دعوته لعدد من الدول بتقديم المساعدة فى تأمين مضيق هرمز، وكتب على منصة «تروث سوشيال» يقول إن الولايات المتحدة الأمريكية هزمت وبشكل تام إيران، غير أن دول العالم التى تتلقى نفطاً عبر المضيق يتعيّن عليها الاعتناء بهذا الممرّ، وسنساعد بالكثير!.
حالة الفصام التى يعانى منها ترامب بإعلانه مراراً تدمير إيران على كافة الأصعدة وتحقيق النصر التام، ثم مطالبة الحلفاء لإرسال سفن حربية إلى مضيق هرمز لتأمين النفط الذى يمر عبر المضيق وتأمين حركة الملاحة فيه، لم تلق قبولاً، فأشارت طوكيو إلى أنها تتعامل بحذر مع تلك الدعوة، وأكد مسؤول فى وزارة الخارجية اليابانية أن بلاده لن ترسل سفناً بحرية لمجرد أن ترامب طلب ذلك، مؤكداً أن بلاده تتخذ قراراتها بنفسها، وعلى المنوال نفسه صرح الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون، بأن باريس مستعدة لإرسال سفن حربية إلى الخليج فى مهمة «مرافقة حصرية»، مؤكداً أن ذلك لن يحدث إلا بعد انتهاء «المرحلة الأكثر شدة من الصراع»، كما رفضت سويسرا طلبين للرحلات العسكرية الأمريكية فوق أراضيها استناداً إلى قانون الحياد السويسرى، هذا التعامل الحذر مع «دعوة ترامب»، كأنه يطلب النجدة، دليل على الموقف الحرج الذى بات فيه ومحاولته البائسة للخروج من هذا المستنقع الإيرانى.
حالة الفصام التى يعانى منها ترامب وخطابه المضطرب وأهدافه المتغيرة سلطت «الجارديان» عليها الضوء تحت عنوان « قائد الفوضى»، وقالت إن تلك الحالة تترك الحلفاء والخصوم فى موقف حيرة بشأن ما يريده الرئيس الأمريكى من الحرب، فعندما وجه أحد الصحفيين سؤالا لترامب قائلاً: سيدى الرئيس، لقد قلت إن الحرب شاملة لكن وزير دفاعك يقول: هذه مجرد البداية، فأيهما الصحيح؟، نظر ترامب يمينًا ويسارًا ثم إلى أسفل، مجيباً بأنه يعتقد أن كليهما صحيح!.
تقول «الجارديان» أن هذا الرد المُرتبك لا يليق بقائد حرب مُسلح بخطاب حماسى وخطة واضحة، لكنه كان مُتوقعا تمامًا من الرئيس الأمريكى السابع والأربعين، فالأسلوب المُضطرب الذى يتبعه فى الحملات الانتخابية، والتعامل مع الكونغرس، والعلاقات التجارية العالمية، قد انتقل الآن إلى ساحة الحرب، ووصف المؤرخ الرئاسى «جوناثان ألتر» ترامب بأنه عامل فوضى، وأن هذا ما يتخصص فيه، إنه لا يفكر أبعد من دورة الأخبار التالية، وبالتالى تحصل على سياسة خارجية متعرجة ومتقلبة، وأكد «ألتر» على حقيقة بات الجميع يعرفها بأن ترامب يكذب بسهولة كما يتنفس، مؤكداً أن كلماته فى جوهرها لا معنى لها، إلا أنها تكتسب أهمية بالغة لأنها مدعومة بكم هائل من الأسلحة.
كما ذكرت «الجارديان» تعليقاً لجندية سابقة فى سلاح مشاة البحرية ورئيسة مؤسسة صوت المحاربين القدامى، تقول فيه إن التناقض بين تصريحات ترامب والبيت الأبيض ووزير دفاعه، يوحى للعالم بأن الاستراتيجية الأمريكية ليست تحت السيطرة، وأن خوف ترامب يدفعه لمحاولة إيجاد مخرج دون أن يدرك حقيقة ما زجّ به الولايات المتحدة بشكل غير قانونى ودون تفويض من الكونغرس.
الخلاصة: هذا الارتباك الجنونى والفصام الواضح والتصريحات المتضاربة بين وصف ترامب للحرب بأنها مغامرة قصيرة ثم إصراره بأن الحرب انتهت بالفعل ثم العودة إلى نقطة الصفر بأن هذه الحرب تحتاج إلى مزيد من الوقت، مع تناقض تلك التصريحات مع البيت الأبيض وخطاب وزير دفاعه المتشدد «بيت هيجسيث» بأن هذه مجرد البداية ولن نتراجع حتى تنتهى المهمة، تنذر بكارثة حتمية مفادها أن نطاق الصراع يتم توسيعه عن عمد وأن تلك الحرب لن تنته قريباً.
فى النهاية: نحن أمام رجل مصاب بحالة من الفصام، رجل حائر بين جنون العظمة الذى يدفعه إلى الإعلان مراراً بأنه انتصر كلياً متلذذاً بعمليات القتل والتدمير، وبين المستنقع الذى ورط فيه العالم دون داعٍ، متجاهلاً بجنونه تبعات تلك الحرب على الجميع.
أخيراً: إذا كانت أخلاق ترامب وحدها كما يقول هى المعيار الأول والأخير لشن الحرب ووقفها، فسوف نظل نتابع بقلق ما يلقيه من فضلات على مراحيض «تروث سوشيال» كمنصات نووية، نترقب فى خوف أى منها سيعصف بالعالم.
حفظ الله مصر من كل سوء.