التعليم.. جدار الأمان
التعليم هى القضية الأخطر التى تواجه المجتمع فى ظل ما يشهده العالم من تغير نوعى فى تقنيات الحروب الحديثة، فهى قضية الوجود من العدم، أو الاستقلالية والسيادة من التبعية والاحتلال.. التعليم ليس مجرد وسيلة أو أداة للمعرفة والعلم إنما هو أسلوب حياة وتفكير ونمط علمى وثقافى وتوجهه أخلاقى يبحث فى عبقرية الخلق وينشد استمرارية الحياة وإعمار الأرض، وينقسم التعليم إلى عدة مستويات تربوية ومعرفية، فهناك التعليم ما قبل الجامعى ثم الجامعى بشقيه المهنى والأكاديمى، وبعد ذلك هناك مرحلة الدراسات العليا وهى ذات بعد آخر للقضية.
التعليم الأولى أو ما قبل الجامعى ما زال فى حالة فوضى وتفتت بالرغم من كل المحاولات المستمرة لتطوير المناهج وتعديل أساليب التقويم والاختبارات، وحذف وإضافة مواد إلى الشهادات العامة، واعتبار اللغة العربية والدين مواد تضاف للمجموع، وحذف اللغة الأجنبية أو اللغة الثانية من المجموع؟! ونحن فى منتصف حروب عالمية وتطورات تقنية تحتاج إلى معرفة اللغات السائدة فى مجالات العلوم والتكنولوجيا وكل المجالات الحديثة التى ينتجها الغرب.
المدارس ما زالت تعانى من نقص العنصر الرئيسى فى العملية التعليمية ألا وهو المدرس أو المعلم الكفء المؤهل علمياً وتربوياً ونفسياً وإدارياً لنقل المعلومة وفق مناهج علمية، ووسائط تعليمية حديثة، ولا تزال إدارات المدارس لا تطبق قواعد الحضور والغياب، بل أنه فى بعض المدارس الحكومية والتجريبية والخاصة يشجع المدرسين والإدارة الطلاب على عدم الحضور، ثم نتحدث عن تطوير وتحديث.. المشكلة تكمن ليس فقط فى الإدارات التعليمية والمدرسة وإنما فى الطلاب وأولياء الأمور الذين قد يستحسنون هذا النهج فى عدم الحضور والدراسة عن بعد من المنزل خاصة بعد ارتفاع أسعار المواصلات ووسائل النقل المدرسية… ولن نتطرق إلى الغش فى الامتحانات كظاهرة تواجهها الدولة بكل حسم وقوة، ولكن الداء يكمن فى الجسد التربوى والطلابى وبعض القائمين على الاختبارات وكذلك الأهل الذين لا يرفضون هذا الانحراف الأخلاقى الجسيم.
ونأتى للتعليم الجامعى وموضوع التخصصات الجديدة والقديمة وهو أمر جد خطير وله تداعيات مؤثرة قد تحدث خللاً فى التركيبة المجتمعية والبناء التراكمى المعرفى للعقل الجمعى المصرى.. نعم هناك بعض التخصصات التى لا تؤهل لسوق العمل الجديد، ولكن لم تلغى أى دولة فى العالم تخصصات نظرية أو إنسانية بدعوى أن الخريج لا يجد وظيفة فى الشركات الحديثة من الممكن تحديد أعداد الطلاب ومن المقترح تقليص عدد الكليات والتخصصات والأقسام وكذلك عدم منح تراخيص لاقسام جديدة أو معادلات علمية من المجلس الأعلى للجامعات.. نعم نحتاج إلى كل المعارف الإنسانية والبشرية والفنون والآداب والفلسفة والمنطق وعلم الاجتماع وعلم النفس واللغات والباليه والموسيقى والفنون البصرية والتشكيلية، وكل ما يغذى الروح ولا يحول الإنسان إلى إلى آلة متحركة، أو إلى وسيلة لتحقيق المطامع والأهداف المادية فقط.. فإذا كانت الحروب الحديثة تعتمد وتستخدم التكنولوجيا بدلاً من العنصر البشرى فى الحرب والصراع، إلا أن المقاومة الإنسانية والإيمان والعقيدة الوطنية المرتكزة على التاريخ وعلى جغرافيا وعلى الثقافة وعلى الموروث وعلى الفنون هى تلك التى تدفع أى أمة إلى الوقوف ضد العدوان بثبات وصلابة وتماسك وقوة، تلك المعارف الإنسانية والفنية هى التى تعزز القوى الإنسانية وتدفعها وتحثها على الاختراع والإبتكار الحديث من أجل البقاء، ومن أجل الاستقلالية، ومن أجل الحفاظ على الأرض والتاريخ والعرض..
اللجنة المشكلة لتطوير وتحديث التخصصات هى لجنة من العلماء والأساتذة المتخصصين، وإن كان معظمهم من تخصصات علمية وهندسية وتقنية، مع توارى المتخصصين فى المجالات الخاصة بالتربية والعلوم الإنسانية والنظرية والفنية والثقافية.. لن يتطور التعليم إلا بالدراسات البينية الجديدة مع عدم الحذف أو الالغاء، لأن هذا سوف يأتى بنتائج سلبية قد تدك أركان المجتمع.. ولتكن ثقتنا فى الأساتذة الكبار وانحيازهم الخالص للعلم والتعليم وموضوعية البحث العلمى ومنهجية الباحث المتخصص، والتجرد الشخصى من أى غرض أو عرض أو هوى، هى الركيزة والجدار الذى نرتكز عليه ونحتمى به من أى شطط أو خلل فى بنيان المنظومة العلمية الراسخة..فالتعليم هو جدار الأمان.