ما لم يقوله "مدبولى" للشعب
يدفع المصريين دائما فاتورة الحروب وأزمات المنطقة، رغم أن أطراف الصراع نفسها قد لا تتضرر بالقدر ذاته، لذا وجد الدكتور مصطفى مدبولى، رئيس الوزراء، وحكومته، فى الأوضاع الإقليمية الراهنة وتصاعد الأحداث بمنطقة الشرق الأوسط ذريعة ومبررًا مناسبًا أمام الرأى العام المصرى، رغم أنه تعهد فى أكتوبر الماضى بتثبيت الأسعار لمدة عام، وقبل قرار تحريك أسعار المحروقات بيوم واحد، اعلان «مدبولى» عن إجراءات جديدة لدعم المواطنين تتضمن رفع الحد الأدنى للأجور خلال أيام.
المؤسف فى حُجة الحكومة حول تحريك أسعار الوقود أنها اشترت المحروقات بسعر 60 دولارًا، ووضعتها فى الموازنة العامة للدولة بسعر 80 دولارًا حتى مطلع يوليو 2026، ولديها مخزون يكفى لمدة ستة أشهر بالسعر القديم، وبذلك لم يعد لديها سند قانونى أو مبرر اقتصادى لزيادة أسعار المواد البترولية.
وجاءت مبرراته تعليقًا على رفع أسعار المحروقات متناقضة مع بعضها البعض، إذ قال إن تقلبات السعر اليومى تؤثر على التسعير النهائى للسلع والخدمات، وإن الزيادة فى أسعار الوقود جاءت غير مسبوقة وخلال فترة زمنية وجيزة، مما ترتب عليه اضطرابات وصعوبة فى التنبؤ بما قد تسفر عنه الفترة المقبلة، وأضاف أن اتخاذ القرار كان ضرورة حتمية لضمان توافر الإمدادات اللازمة لتلبية احتياجات قطاعات الكهرباء والطاقة والصناعة، فضلًا عن الاستهلاك المنزلى، بما يحفظ استقرار الاقتصاد المصرى.
ورفعت الحكومة أسعار الوقود بنسبة تصل إلى 22%، وهذه النسبة تضيف قرابة 500 جنيه على فاتورة المواصلات لكل مواطن داخل المجتمع المصرى فى حال كان مقر سكنه داخل نفس المحافظة، كما تضيف عبئًا قدره 65 جنيهًا على فاتورة أسطوانة الغاز المنزلى، وسط حديث فى الأرجاء حول زيادة أسعار الكهرباء، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخضروات والمنتجات الغذائية بنسبة قد تصل الى 200% بالتزامن مع حلول عيد الفطر المبارك وفى ظل غياب الرقابة وعدم ضبط الأسواق، إضافة إلى قفز أسعار الخدمات دون محالة.
وأعلن «مدبولى» عن حزمة دعم غير مسبوقة للمواطنين ورفع الحد الأدنى للأجور، الذى لا يستفيد منه سوى العاملين بالدولة، ولا يعود على أى مواطن خارج هذه المنظومة بجنيه واحد يُذكر، وكان يجب على «مدبولى» قبل الإعلان عن هذه الزيادات وحزم الدعم أن يسأل نفسه: من أين سيأتى بتلك الفروق المالية فى الأجور والنفقات؟.
فقطاع السياحة حتمًا سيتراجع خوفًا من الصراع الدائر فى المنطقة العربية، رغم تصريحات المؤسسات الدولية بأن مصر منطقة آمنة للسياحة، كما أن قناة السويس تواجه إجراءات أمنية بحرية فرضتها الحرب على إيران، مع تراجع فى تحويلات المصريين بالخارج خاصة فى الخليج، وغلق مضيق هرمز، معبر التجارة الدولية والطاقة، وارتفاع الدولار مقابل الجنيه من 47 إلى 52 جنيهًا، وارتفاع أسعار النفط إلى 111 دولارًا للبرميل وعاد للتراجع مجددا عند 103 دولارا للبرميل، وقد يصل إلى معدلات غير مسبوقة حال استمرت الأوضاع على هذا النحو.
ولكن يبقى لقرار "مدبولى" دوافع أخرى متعلقة بالاوضاع السياسية والاقتصادية التى تؤثر على مصر لم يقولها "مدبولى" للشعب ، نظرا لهشاشة الوضع الاقتصادى الراهن، حيث يواجه الجنيه المصرى منذ بداية الحرب على إيران وما قبلها ضغوط اقتصادية وملاحية وجوية، حيث وصل الجنيه إلى أدنى مستوى له منذ تحرير سعر الصرف قبل عامين، بعدما كسر حاجز 52.8 جنيه للدولار فى تعاملات هذا الأسبوع.
ويعكس تراجع الجنيه أزمة كُبرى مركبة بين ركود الأسواق ونيران الجغرافيا السياسية، وتكشف العقود الآجلة غير القابلة للتسليم حجم الضغط الحقيقى على العملة، إذ يعتمد المستثمرون عليها فى قراءة توقعات السوق لقيمة الجنيه خلال فترات زمنية مقبلة.
وبينما يستقر السعر الحالى عند 52.8 جنيه للدولار، تشير تلك العقود التى سيجرى تنفيذها بعد عام من الآن، إلى أن السعر قد يتجاوز 60 جنيها للدولار، وتعنى هذه الفجوة الكبيرة أن الصناديق الاستثمارية تتوقع تراجعا إضافيا لقيمة الجنيه، ما يدفع المستثمرين إلى الحيطة والحذر والخروج مبكرا من السوق.
ثانياً، هروب الأموال الساخنة، فبحسب تقرير نشرته وكالة رويترز فى 10 مارس الجارى، نزح ما بين 5 إلى 8 مليارات دولار من السوق المصرية خلال عشرة أيام فقط، بعدما فضل المستثمرون الخروج مع أول صافرة إنذار للحرب مع إيران، بحثا عن ملاذات آمنة خارج المنطقة.
وفى العاشر من مارس، وخلال مزاد أذون الخزانة للحكومة المصرية، حاولت الحكومة الاقتراض من البنوك، مستهدفة جمع 40 مليار جنيه، لكن المستثمرين طالبوا بعلاوة مخاطر مرتفعة – يمكن وصفها بـ"ضريبة القلق" – ورفضوا الإقراض إلا بفوائد وصلت إلى 30%، ما اضطر الحكومة إلى قبول متوسط فائدة بلغ 24%، ومع ذلك فشلت فى جمع 16.3 مليار جنيه من أصل 40 مليار جنيه، فى إشارة واضحة إلى اهتزاز الثقة فى الأسواق.
ومن أهم الأسباب التى ضغطت على الجنيه أيضاً انتكاسة خطوط الملاحة الدولية، فبعد فترة وجيزة من جنى ثمار الاستقرار الجيوسياسى، حققت قناة السويس منذ الأول من يناير وحتى السابع من فبراير 2026 إيرادات بلغت نحو 449 مليون دولار، لكن مع اندلاع الحرب على إيران، أعلنت كبرى شركات الشحن العالمية تعليق المرور عبر القناة وتحويل مسارها إلى رأس الرجاء الصالح، وهو ما يهدد بتجميد العائدات السنوية التى كانت الموازنة العامة تعوّل عليها لسد الفجوة الدولارية.
كما يدفع قطاع الطيران المصرى أيضا فاتورة الحرب فى المنطقة، إذ ألغى مطار القاهرة 72 رحلة طيران فى يوم واحد، وتُترجم هذه الإلغاءات إلى خسائر تقدر بمئات الآلاف من الدولارات يوميا، نتيجة فقدان رسوم الهبوط والعبور ورسوم خدمات الركاب التى تُسدد بالدولار واليورو من قبل الشركات الأجنبية.
ومع استمرار الفائدة المرتفعة، قد تتعرض قدرة الدولة على تحمل ديونها المتراكمة لمزيد من الضغوط خلال الفترة المقبلة.
علاوة على أن هناك عجز فى الميزان التجارى للدولة يقدر بنحو 15.4 مليار دولار لصالح الواردات خلال عام مالى واحد، وذلك يعنى أن المستوردين لجميع أنواع السلع والخدمات، يحققون مكاسب كارثية على حساب الدولة والمواطن ، والتى تستنزف ألرصيد الدولارى للدولة وتلجأ للاقتراض فى الأخير.