بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

كيف كان جامع سنان باشا قلب رمضان في القاهرة قبل 450 عامًا؟

الدكتور عمرو منير
الدكتور عمرو منير أستاذ التاريخ والحضارة

أكد الدكتور عمرو منير، أستاذ التاريخ والحضارة، أن المساجد في مصر عبر التاريخ لم تكن مجرد أماكن للصلاة، بل كانت مؤسسات اجتماعية وثقافية واقتصادية متكاملة، مشيرًا إلى أن أحد أبرز النماذج على ذلك هو جامع سنان باشا الذي مثّل عبر قرون طويلة مركزًا حيًا للحياة الرمضانية في القاهرة.

اقرأ ايضًا.. عاجل.. المتسابق أشرف سيف يحصد اللقب عن فرع الترتيل بمسابقة دولة التلاوة

وأوضح أستاذ التاريخ والحضارة، خلال حلقة برنامج "رمضان حكاية مصرية"، المذاع على قناة الناس، اليوم الاثنين، أنه لو رجعنا بالزمن نحو 450 سنة، ودخلنا بولاق وهي ما تزال على شاطئ النيل، سنجد قبة كبيرة شاخصة في السماء، هي قبة جامع سنان باشا؛ مسجد بُني بالحجر لكنه تأسس بقلبٍ وبنية خير، مؤكدًا أن هذا الجامع لم يكن مجرد مكان للصلاة، بل وقفًا كاملاً قائمًا على فلسفة واضحة مفادها أن العبادة لا تنفصل عن الناس، وأن المسجد ينبغي أن يكون مكانًا للرحمة والتعليم والرعاية، خاصة في شهر رمضان.

وأشار إلى أن الصورة التي توثق الجامع، والتي التقطها مصور فرنسي زار مصر في أوائل القرن العشرين ما بين عامي 1916 و1921، والمحفوظة اليوم في أرشيف متحف فيكتوريا وألبرت في لندن، ليست مجرد صورة لمسجد، بل شهادة حية على زمن كامل وعلى نظام الوقف الذي كان يجعل المسجد قلب الحياة في الحي.

وأضاف أن الوقفية المؤرخة بسنة 999 هجرية تكشف تفاصيل مذهلة عن الحياة داخل المسجد، إذ كان هناك 60 قارئ قرآن يتناوبون على قراءة ختمتين كاملتين يوميًا، وهو تقليد كان يرتبط بشهر رمضان تحديدًا، حين كانت القاهرة تتحول إلى ما يشبه المئذنة الكبرى التي يعلو منها صوت القرآن ليلًا ونهارًا.

ولفت إلى أن الوقف لم يكن يموّل الحجر والبشر فقط، بل كان يموّل التلاوة نفسها، بحيث يبقى القرآن حاضرًا في أجواء رمضان باستمرار، موضحًا أن وجود نظام يومي للتلاوة مكفول من الوقف يعكس كيف كانت القاهرة آنذاك ليست مجرد عاصمة سياسية، بل مدينة تعيش على إيقاع القرآن.

وتابع أن الوقفية خصصت أيضًا أربعين قارئًا لتلاوة سورة الأنعام يوميًا، وهي عادة كانت معروفة في المساجد الكبرى في مصر خلال رمضان، إذ ارتبطت هذه السورة في الوجدان الشعبي بالبركة والحفظ.

وأكد أن أجمل ما في الوقفية كان اهتمامها بالأيتام، حيث نصّت على كفالة عشرين يتيمًا يقيمون في المسجد، يأكلون ويتعلمون ويعيشون فيه حتى يكبروا، في نظام حياة متكامل، وليس مجرد مساعدة عابرة.

وأشار إلى أنه في نهاية شهر رمضان كان الجامع يمنح هؤلاء الأيتام ثلاثين دينارًا لكسوة العيد، وهو مبلغ كبير في ذلك الوقت، بل يفوق في بعض الأحيان مهور الزواج، ما يعكس المكانة التي كان يحتلها اليتيم في المجتمع، وأن فرحة العيد لم تكن تكتمل إلا بفرحته.

وأوضح الدكتور عمرو منير أن الوقفية تكشف أيضًا عن جهاز إداري متكامل داخل المسجد، يشمل خطيب الجمعة والعيدين، وإمامًا، وستة مؤذنين، ووقادًا مسؤولًا عن الإضاءة، ومسبّلًا لمياه الوضوء، وفراشين، وسائقًا للساقية، وخادمًا للمصحف، وكاتبًا للغيبة، وموزعًا لأجزاء ختمة القرآن، ولكل واحد منهم راتب وأرغفة يومية محددة.

وأضاف أن هذا النظام كان قائمًا على ريع وقف اقتصادي ضخم، ضمّ خانات وحمامات ومحالّ وبيوتًا وأراضي في القليوبية والمنوفية وبني سويف والإسكندرية، ما شكّل شبكة اقتصادية كاملة تعمل لخدمة فكرة واحدة، هي أن يظل المسجد حيًا وفاعلًا في حياة الناس.

وأكد أن رمضان في ذلك الزمن لم يكن مجرد صيام، بل كان مشروع مجتمع متكامل؛ بعد المغرب موائد ولمّة، وبعد التراويح تلاوة وذكر، وقبل السحور أصوات القرآن مع نسيم النيل، وفي قلب هذا كله يتيم يلبس ثوب العيد من وقف المسجد.

ولفت أستاذ التاريخ والحضارة إلى أن جامع سنان باشا لم يكن مسجدًا فقط، بل كان مؤسسة اجتماعية نابضة بالحياة، وبيتًا للأيتام، ومدرسة للقراء، وملاذًا للناس، وأن الصورة المحفوظة في الأرشيف ليست مجرد لقطة معمارية، بل ذاكرة لمرحلة من تاريخ مصر حين كان المسجد بيت عبادة، ومدرسة علم، ومكان رحمة وكرم، وكانت فيه القاهرة تعيش رمضان كحكاية مصرية من نور لا تنتهي.