بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

تطوير الأحزاب في مصر ؛؛؛ من الهياكل التنظيمية إلى منظومة كفاءة الأداء والتقييم

 

حين نتحدث عن تطوير الأداء الحزبي في مصر، فإن القضية لا تتعلق فقط بزيادة عدد الأحزاب أو توسيع نشاطها الإعلامي والتنظيمي، بل تتعلق قبل كل شيء بطبيعة الدور الذي ينبغي أن تقوم به الأحزاب داخل الدولة. 
فالحزب السياسي في جوهره ليس مجرد إطار للتعبير عن الرأي أو منصة للبيانات السياسية، وإنما هو كيان يسعى – بطبيعته – إلى الوصول إلى الحكم أو المشاركة في تشكيل الحكومة عبر الوسائل الدستورية المشروعة.

ومن هنا فإن وجود أحزاب قوية يعني في جوهره وجود حالة تنافسية سياسية صحية بين الأحزاب من جهة، وبين الأحزاب والحكومة من جهة أخرى ؛ هذا التنافس لا يجب أن يُفهم باعتباره صراعا ً أو خصومة مع الدولة، بل باعتباره منافسة على تقديم الرؤية الأفضل لإدارة شؤون المجتمع.

فالحكومة تمارس السلطة التنفيذية وفق برنامجها، بينما تسعى الأحزاب إلى تقديم برامج بديلة أو أكثر تطورا ً أملا ً في أن تحظى بثقة المجتمع وتمكينها يوما ً ما من تشكيل الحكومة أو المشاركة في إدارتها.

لكن هذه المعادلة لا يمكن أن تتحقق في ظل أحزاب تعتمد فقط على الخطاب السياسي أو النشاط الموسمي، لأن الحزب الذي يطمح إلى إدارة الدولة لابد أن يكون مؤهلاً لذلك تنظيميا ً وفكريا ً ومؤسسيا ً.

ومن هنا تبرز فكرة شديدة الأهمية في تطوير العمل الحزبي، وهي أن الحزب السياسي الجاد يجب أن يعمل داخليا ً بهيكل يماثل في طبيعته مؤسسات الحكومة.

فإذا كانت الدولة تمتلك وزارات للاقتصاد والمالية والتعليم والصحة والطاقة والنقل وغيرها، فإن الحزب الذي يسعى إلى الحكم ينبغي أن يمتلك لجانا ً أو مكاتب متخصصة في هذه المجالات نفسها. هذه اللجان لا تكون مجرد أسماء تنظيمية، بل مراكز تفكير حقيقية تضم خبراء ومتخصصين تتابع أداء الحكومة في كل قطاع، وتقوم بإعداد دراسات وبرامج وسياسات بديلة.

لكن من المهم الإشارة هنا إلى أن تشكيل هذه اللجان أو الإدارات المتخصصة لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد إجراء تنظيمي شكلي يقتصر على اختيار القيادات وإعلان الهياكل. فالقضية الحقيقية لا تكمن في تشكيل المنظومة الحزبية بقدر ما تكمن في كيفية إدارتها وتشغيلها بكفاءة.

فالحزب الذي يسعى إلى المنافسة على إدارة الدولة لابد أن يدير لجانه وإداراته بأسلوب مؤسسي دقيق، يقوم على تحديد المهام بوضوح من قبل قيادة الحزب، ووضع آليات عمل محددة لكل لجنة أو إدارة وفق اختصاصها، ثم متابعة تنفيذ هذه المهام بشكل دوري ومنظم.

ومن هنا تبرز أهمية وجود منظومة متابعة وإشراف داخل الحزب، تقوم بتقييم الأداء بصورة دورية — وليكن ذلك على أساس تقارير شهرية — بهدف الوقوف على مستوى تنفيذ التكليفات والمهام التي تم إسنادها إلى القيادات المختلفة داخل الهيكل التنظيمي للحزب.

هذا التقييم الدوري لا يجب أن يكون إجراء ً شكليا ً، بل أداة ً حقيقية لضبط الأداء وتطويره. فاستمرار القيادات في مواقعها ينبغي أن يكون مرتبطا ً بمدى قدرتها على تحقيق النتائج المرجوة من المهام التي كُلفت بها، وليس بمجرد شغل الموقع التنظيمي.
وعندما تصبح كفاءة الأداء هي معيار الاستمرار داخل المواقع التنظيمية، فإن ذلك يخلق بطبيعته حالة من الحراك داخل الحزب، ويمنح كوادر الصف الثاني وما يليه شعورا ً حقيقيا ً بإمكانية التقدم وتحمل المسؤولية.
كما أن هذا الأسلوب في الإدارة التنظيمية يخلق حالة من النشاط والحماس داخل المنظومة الحزبية، لأن الجميع يدرك أن العمل الجاد هو الطريق الحقيقي للترقي داخل الحزب.
والأهم من ذلك أن هذه المنهجية في المتابعة والتقييم تدفع منظومة العمل الحزبي إلى التحرك بفاعلية من القمة إلى القاعدة، بحيث تصبح كل مستويات التنظيم الحزبي في حالة عمل مستمر وليس مجرد وجود تنظيمي صوري.
بهذا المعنى يصبح الحزب مؤسسة سياسية حقيقية تعمل وفق قواعد واضحة من التخطيط والتنفيذ والمتابعة والتقييم، وهي القواعد نفسها التي تقوم عليها إدارة مؤسسات الدولة الحديثة.

إن تطوير الحياة الحزبية في مصر لا يعني خلق حالة من الصراع السياسي، بل يعني بناء نظام سياسي أكثر حيوية وتوازناً ، تكون فيه الأحزاب قادرة على المنافسة ببرامجها وكوادرها، وتكون الحكومة في الوقت نفسه قادرة على الاستفادة من هذا التنافس في تحسين أدائها.

فالدولة القوية لا تخشى التنافس السياسي المنظم، بل تعتبره أحد مصادر قوتها، لأنه يخلق بيئة سياسية قادرة على إنتاج الأفكار والقيادات والبرامج التي تدفع المجتمع إلى الأمام.

وفي النهاية، فإن الحزب الذي يريد أن يكون جزءاً حقيقيا ً من مستقبل الدولة لا بد أن يتصرف منذ اليوم كما لو أنه يستعد لإدارة الحكومة، لأن السياسة في جوهرها ليست مجرد معارضة أو تأييد، بل هي قبل كل شيء استعداد دائم لتحمل مسؤولية إدارة الدولة وخدمة المجتمع.