في ذكري رحيله
أصحاب الفضيلة في سطور.. الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر ووزير الأوقاف الأسبق
يوافق اليوم الأحد ، الخامس عشر من شهر مارس ذكري رحيل فضيلة الإمام " جاد الحق علي جاد الحق " شيخ الأزهر ووزير الأوقاف الأسبق.

مولده نشأته :
وُلدَ فضيله الشيخ جاد الحق علي جاد الحق، المعروف بـ " جاد الحق " يوم 5 أبريل عام 1917 م في قرية بطرة التابعة لمركز طلخا بمحافظة الدقهلية، تلقى تعليمه الأولي في كُتَّاب القرية تعلم مبادئ القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم علي يد الشيخ سيد البهنساوي ، ثم إلتحق بالمعهد الأحمدي بطنطا، وتدرج في المراحل التعليمية حتي إنتقل إلى المرحلة الثانوية، وإستكملها في المعهد الديني بمنطقة الدراسة بالقاهرة.

إلتحق بعد ذلك بكلية الشريعة والقانون، وتخرَّج فيها عام 1944 م، حاصلاً على الشهادة العالمية، وكان ضمن الخمسة الأوائل الذين كرمهم الملك فاروق الأول ، ثم نال الشيخ " جاد الحق " تخصص القضاء بعد عامين من الدراسة، وكان الأزهر الشريف يعطي لمن يحصل على العالمية في الشريعة أن يتخصص في القضاء لمدة عامين، وفي الأجازات التي كان يقضيها في القرية يؤم الناس في صلاتهم ويلقي عليهم دروساً دينية ما بين المغرب والعشاء.
حياته العملية:
بعد التخرج عمل الشيخ " جاد الحق " في المحاكم الشرعية في عام 1946 م، ثم عُيِّن أميناً للفتوى بدار الإفتاء المصرية في عام 1953 م، ثم عاد إلى المحاكم الشرعية قاضياً في عام 1954 م، ثم إنتقل إلى المحاكم المدنية عام 1956 م بعد إلغاء القضاء الشرعي، وظل يعمل بالقضاء ويترقى في مناصبه حتى عُين مستشاراً بمحاكم الإستئناف في عام 1976 م، ثم عمل مفتشاً أول بالتفتيش القضائي بوزارة العدل.

مفتي للديار المصرية:
عُيِّن الشيخ " جاد الحق " مفتياً للديار المصرية في أغسطس عام 1978 م، فعمل على تنشيط الدار والمحافظة على تراثها الفقهي، فعمل على إختيار الفتاوى ذات المبادئ الفقهية وجمعها من سجلات دار الإفتاء المصرية، ونشرها في مجلدات بلغت عشرين مجلداً وهي ثروة فقهية ثمينة لأنها تمثل القضايا المعاصرة التي تشغل بال الأمة في فترة معينة من تاريخها، وفي الوقت نفسه تستند إلى المصادر والأصول التي تستمد منها الأحكام الشرعية، وتشمل إختيارات الفتاوى ما صدر عن دار الإفتاء في الفترة من عام 1895 م حتى عام 1982 م، وضمت المجلدات الثامن والتاسع والعاشر من سلسلة الفتاوى إختيارات من أحكامه وفتاواه، وتبلغ نحو 1328 فتوى في الفترة التي قضاها مفتياً للديار المصرية، كما أُختير عضواً بمجمع البحوث الإسلامية عام 1980 م.
وفي يناير عام 1982 م عُيّن الشيخ " جـاد الـحـق " وزيراً للأوقاف إلا أنَّه لم يبق بمنصبه أكثر من شهرين، ليتولى بعدها مشيخة الأزهر الشريف.
شيخنا للأزهر الشريف:
أُختير الشيخ " جاد الحق " شيخاً للجامع الأزهر في 17 مارس عام 1982 م، وبدأت فترة زاهية من فترات تاريخ الأزهر الشريف سواء فيما يتصل بمؤسسة الأزهر، أو بدورها بإعتبارها القائمة على الفكرة الإسلامي والتعليم الديني في مصر، ومحط أنظار الناس ومعقد أمانيهم، وكان لإشتغال الشيخ " جاد الحق " بالقضاء منذ وقت مبكر أثره البالغ في قيادته الأزهر، وقد عُرف الشيخ " جاد الحق " في الفترة التي تولى فيها مشيخة الأزهر بمواقفه الجريئة، والصدع بما يعتقد أنه الحق والصواب، وإن خالف هوى الناس وأغضب السلطان، فقد أعلن بعد توليه المشيخة تأييد الأزهر الشريف للجهاد الأفغاني ضد المحتل الروسي، وعدَّ ما يحدث في البوسنة والهرسك حرباً صليبية جديدة تهدف إلى إبادة المسلمين، ودعا إلى الوقوف إلى جانب المسلمين والدفاع عن قضيتهم، وكان له مثل هذا الموقف مع المسلمين الشيشان في جهادهم للروس، ومع الإنتفاضة الفلسطينية.
كذلك كانت قضية القدس تشغل حيزاً كبيراً من عقل وقلب فضيلة الإمام " جاد الحق " وكان يُذكر بها في كل المواقف والمناسبات مؤكداً علي أن القدس ستظل عربية إسلامية إلي قيام الساعة رغم أنف الإسرائيليين، ويُذكر له موقفه الواضح من رفض التطبيع مع الكيان الصهيوني حتى إن كانت هناك إتفاقية سلام، واشتد في معارضته للتطبيع في الوقت التي نشطت فيها حركات التطبيع في بعض مؤسسات الدولة وكان مما قاله ( لا سلام مع المغتصبين اليهود، ولا سلام إلا بتحرير الأرض العربية ).
ورفض فضيلة الإمام " جاد الحق " إستقبال أي وفد صهيوني يرغب في زيارة الأزهر الشريف وإن سبب ذلك حرجاً للمسؤولين، كذلك رفض زيارة المسلمين للقدس بعدما أفتي بعض العلماء بجواز ذلك بعد عقد إتفاقية أوسلو عام 1993 م، فأفتى بعدم جواز زيارة القدس إلا بعد تحريرها، وقال ( إن من يذهب للقدس من المسلمين آثم آثم، والأولى بالمسلمين أن ينأوا عن التوجه للقدس حتى تتطهر من دنس المغتصبين اليهود، وتعود إلي أهلها مطمئنة يرتفع فيها ذكر الله والنداء إلي الصلوات، وعلي كل مسلم أن يعمل بكل جهده من أجل تحرير القدس ومسجدها )، وأعلن تأييده للإنتفاضة الفلسطينية والعمليات الإستشهادية.
ومن مواقف فضيلة الإمام " جاد الحق " الجريئة والشجاعة أن الأزهر الشريف خاض متمثلاً فضيلة الإمام " جـاد الـحـق " معركة شرسة ضد بعض البنود الواردة في مسودة إعلان مؤتمر القاهرة الدولي للسكان الذي عقد في القاهرة في سبتمبر عام 1994 م، وأعتبر أن مسودة المؤتمر بها قرارات تناهض الأديان وتعتدي على الكرامة الإنسانية، حيث وجد أن بنود المؤتمر تبيح الشذوذ الجنسي، وتبيح الإجهاض، والحمل بدون زواج، وعارض دعوات الإنحلال الأُسري والشذوذ، والخروج على الفطرة السليمة، وأصدر بيان بذلك الذي كان في إحباط ما كان يخطط له القائمون على المؤتمر، واتصل الإمام " جاد الحق " بالرئيس الأسبق المخلوع ( حسني مبارك ) وأخبره أن المؤتمر ضد شريعة الإسلام، فتبنت الدولة موقف الأزهر وأعلنت أنه لن يقبل شيئاً ضد الإسلام، وتكرَّر من فضيلة الإمام " جاد الحق " هذا الموقف الواضح في رفضه لوثيقة مؤتمر المرأة الذي تم عقده في بكين في سبتمبر 1995 م.
ويُذكر للشيخ " جاد الحق " جهوده في نشر التعليم الأزهري والتوسع في إنشاء المعاهد الأزهرية في جميع أنحاء مصر، وكانت سمعة الشيخ " جاد الحق " وثقة الناس فيه تجعل الناس يتسابقون في التبرع لإنشاء المعاهد الدينية، وتقديمها للأزهر للإشراف عليها.
المعاهد الأزهرية
بلغت المعاهد الأزهرية في عهده خمسة آلاف معهد، في الوقت الذي أنشأ فيه أيضاً خارج مصر معاهد أزهرية تخضع لإشراف الأزهر في كل من ( نيجيريا - تنزانيا - كينيا - الصومال - جنوب إفريقيا - تشاد - المالديف - جزر القمر ) وغيرها من دول العالم الإسلامي، حيث عَمِلَ فضيلة الإمام " جـاد الـحـق " على إرسال علماء الأزهر إلى ربوع العالم كافة ينشرون الفكر الوسطي المستنير، وفي الوقت ذاته فتح الباب واسعاً أمام الطلاب الوافدين من كل دول العالم للتعلم في الأزهر الشريف والتسلح بعلومه ومناهجه حتى يكونوا خير سفراء للأزهر في العالم، كما أنشأ فضيلة الإمام " جاد الحق " فروعاً للجامعة الأزهرية في بعض محافظات مصر ومدنها الكبيرة، ولحرصه على أن يجد الناس مبتغاهم فيما يتعلق بأمور دينهم فقد دعم عمل لجنة الفتوى الرئيسية بالجامع الأزهر بإنشاء فروعاً لها في كل منطقة أزهرية في كل محافظات الجمهورية، فبلغت 25 لجنة، وإنتقى لها أفضل العناصر من العلماء الذين يجيدون الفتوى وأمدها بالكتب التي تحتاجها في أداء عملها.
مؤلفاته:
مع كثرة مهام الشيخ " جاد الحق " وعظم مسؤولياته كشيخ للأزهر، أنتج الشيخ " جاد الحق " نتاجاً علمياً يشهِدُ على غزارة علمه، مثّلت إضافة حقيقيَّةً ونوعية العربية والإسلامية، ومن أبرز تلك المؤلفات ( الفقه الإسلامي مرونته وتطوره - بحوث فتاوى إسلامية في قضايا معاصرة - مع القرآن الكريم - رسالة في الإجتهاد وشروطه - رسالة في القضاء في الإسلام- إجتهاد الرسول وقضاؤه وفتواه )، وغيرها الكثير.
الجوائز والتكريمات:
كان الشيخ " جاد الحق " قدم راسخة في العلم وعقل راجح ورأي صائب وقدرة على الإستفادة من أهل العلم، فأستخلص منهم طائفة إستخدمهم في الدفاع عن الإسلام وجلاء قضاياه، والرد على ما يقوله المغرضون، فقَوِيَ بهم الأزهر، وإشتد ساعده، وعرف العالم الإسلامي مكانة الشيخ " جاد الحق " وفضله فمنحه أرفع الجوائز والأوسمة، فمنحته مصر وشاح النيل أعلى وشاح تمنحه الدولة، ومنحه المغرب وسام الكفاءة الفكرية والعلوم من الدرجة الممتازة، وحصل على جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام، ويذكر أنه تبرع بقيمة جائزة الملك فيصل لبناء مستشفى فى قريته وإشترى أرضاً لبناء مجمع شامل يضم مسجداً وحضانة ومستوصفاً ودار تحفيظ قرآن.
حياته جاد الحق:
كان الإمام الأكبر " جاد الحق " يسكن في شقة متواضعة في المنيل بالقاهرة وكانت في الطابق الخامس، ولم يكن في العمارة مصعد (أسانسير) وكان عمر الشيخ قد تجاوز الـ70 عاماً، لكنه رفض تغيير شقته حتى لا يكلف الدولة شيئاً و يأخذ من مال المسلمين، حيث كان رحمه الله عفيف النفس زاهداً في الدنيا، راضياً بما قسم الله له، فلم يحاول أن يستغل نفوذه لجلب مصلحة شخصية، وكان لا يأخذ مالاً على مؤلفاته بل جعلها لنفع المسلمين فقط وكان يرفض أخذ مكافآت وبدلات في مرتبه ويكتفي بمرتبه فقط، وظل الشيخ في شقته المتواضعة حتى لحق بربه، ضارباً أروع الأمثال في الزهد الحقيقي، مجدداً سنة الزاهدين الأوائل.
وفاته:
وفي مثل هذه اليوم وبعد حياة طويلة مليئة بجلائل الأعمال، توفي الإمام الأكبر " جاد الحق " إثر نوبة قلبية ألمَّت به يوم الجمعة الموافق 15 مارس عام 1996 م عن عمر يناهز الـ 79 عاماً.