جدل بسبب دراما رمضان..
"نهوض وتنمية المرأة" تحذر من التلاعب بالرأي العام في قوانين الأسرة
حذّرت جمعية نهوض وتنمية المرأة من خطورة تناول بعض الأعمال الدرامية لقضايا الأحوال الشخصية خلال الموسم الرمضاني، معتبرة أن طرح هذه الملفات الحساسة دون الرجوع إلى المختصين في الشريعة والقانون قد يؤدي إلى تضليل الرأي العام وخلق صورة غير دقيقة عن المجتمع المصري وقوانينه.
وأكدت الدكتورة إيمان بيبرس، رئيسة مجلس إدارة جمعية نهوض وتنمية المرأة، أن الدراما تُعد أداة مؤثرة في تشكيل الوعي المجتمعي وتسليط الضوء على القضايا المختلفة، إلا أن هذا الدور يتطلب قدرًا كبيرًا من المسؤولية والدقة، خاصة عندما يتعلق الأمر بملفات شديدة الحساسية مثل قوانين الأحوال الشخصية، التي تمثل ركيزة أساسية لاستقرار الأسرة وحماية الأطفال.
وأوضحت بيبرس أن بعض الأعمال الدرامية التي عُرضت خلال شهر رمضان تناولت قضايا تتعلق بتعديل قوانين الأحوال الشخصية، وقدمتها وكأنها مطالب مجتمعية واسعة، الأمر الذي أثار حالة من الجدل والبلبلة في الشارع المصري وعلى منصات التواصل الاجتماعي، وأدى إلى انقسام بين مؤيدين ومعارضين، فضلًا عن إثارة حالة من القلق بين العديد من الأمهات.
وشددت على أن هذه القضايا ليست مجرد موضوعات درامية قابلة للتأويل، بل هي ملفات قانونية وشرعية تمت مناقشتها على مدار سنوات طويلة، وخضعت لمراجعات متكررة من قبل الأزهر الشريف ومجمع البحوث الإسلامية، ما يجعل تناولها بصورة غير دقيقة أو دون استشارة المختصين أمرًا يثير القلق ويؤدي إلى تشويه الحقائق.
إشكاليات تطبيق قانون الرؤية
وفيما يتعلق بما تناولته بعض المسلسلات من مطالبات بتعديل قانون الرؤية، أشارت بيبرس إلى أن الواقع العملي يكشف عن وجود مشكلات متعددة في تطبيق القانون، من بينها قيام بعض الآباء باستغلاله كوسيلة للضغط أو العناد مع الأم، دون مراعاة مصلحة الطفل، بل إن كثيرًا منهم لا يلتزم بتنفيذ الرؤية من الأساس.
وكشفت الدراسات التي أجرتها جمعية نهوض وتنمية المرأة أن نحو 83% من الآباء لا يلتزمون بتنفيذ أحكام الرؤية، مقابل 17% فقط من الأمهات لا يلتزمن بمواعيد أو أماكن الرؤية، كما أشارت إحدى الدراسات إلى أن نسبة خطف الأطفال من قبل بعض الآباء أثناء الرؤية تصل إلى نحو 9%.
خفض سن الحضانة
كما تناولت بعض الأعمال الدرامية قضية خفض سن الحضانة، رغم أن القانون الحالي يتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية ويراعي مصلحة الطفل الفضلى.
وأوضحت بيبرس أن الأزهر الشريف ومجمع البحوث الإسلامية قاما بمراجعة قوانين الأحوال الشخصية عدة مرات خلال الأعوام 2006 و2007 و2008 و2011 و2015.
وأضافت أنه لا يوجد نص صريح في القرآن الكريم أو السنة النبوية يحدد سنًا قاطعًا لانتهاء الحضانة، ولذلك أقر القانون استمرار الحضانة حتى بلوغ الطفل سن 15 عامًا، على أن يُخيَّر بعد ذلك بين والديه.
وأشارت إلى أن الدراسات الميدانية التي أجرتها الجمعية أظهرت أن 78% من الرجال الذين طالبوا بخفض سن الحضانة كان الهدف لديهم الحصول على مسكن الزوجية أو التهرب من دفع نفقة الطفل، وهو ما يوضح أن بعض المطالبات قد تكون مدفوعة بمصالح فردية لا تعكس المصلحة العامة للأسرة.
كما أظهرت الدراسات أن 85% من الرجال يتزوجون مرة أخرى أثناء الطلاق أو بعده، مقابل 4% فقط من النساء، وهو ما يعكس أن الصورة التي يتم الترويج لها بشأن استغلال النساء لقوانين الحضانة لا تعبر بالضرورة عن الواقع بشكل كامل.
نقل الحضانة مباشرة إلى الأب
وفيما يتعلق بالمطالبات بنقل الحضانة مباشرة من الأم إلى الأب، أكدت الجمعية أن هذا المقترح يتعارض مع ما أقره مجمع البحوث الإسلامية برئاسة فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، والذي أكد استمرار ترتيب الحضانة وفق التسلسل المعمول به، بحيث تكون للأم ثم أم الأم ثم أم الأب، نظرًا لكون النساء أكثر قدرة على تلبية احتياجات الطفل ورعايته في هذه المرحلة العمرية.
الجدل حول نظام الاستضافة
وفيما يخص مقترحات تطبيق نظام الاستضافة، أعلنت الجمعية رفضها القاطع لتطبيقه بالشكل المطروح حاليًا، محذرة من المخاطر المحتملة التي قد تترتب عليه، وعلى رأسها احتمالات خطف الأطفال أو الامتناع عن إعادتهم للطرف الحاضن، خاصة في ظل وجود آلاف القضايا التي تواجه صعوبات في تنفيذ الأحكام.
كما أشار المتخصصون في علم النفس – بحسب بيان الجمعية – إلى أن الاستضافة في ظل وجود نزاعات حادة بين الأبوين قد تُحدث اضطرابًا نفسيًا لدى الطفل نتيجة انتقاله المستمر بين منزلين مختلفين.
ومع ذلك، أوضحت الجمعية أنه في حال الاتجاه لتطبيق نظام الاستضافة مستقبلًا، فيجب وضع إطار قانوني صارم يضمن حماية الطفل، بحيث تتم الاستضافة من خلال دعوى قضائية مستقلة، مع إتاحة الحق للطرف الحاضن في طلب إسقاطها إذا ثبت وجود ضرر على مصلحة الطفل.
كما شددت على ضرورة وضع معايير واضحة للطرف غير الحاضن قبل منحه حق الاستضافة، إلى جانب إنشاء مراكز للخدمات الاجتماعية في جميع المحافظات تكون مسؤولة عن تنظيم ومتابعة وتسليم وتسلم الأطفال، لضمان تأمين عملية الاستضافة بالكامل.
وتساءلت الجمعية في بيانها:" كيف يمكن تأمين عملية الاستضافة لما يقرب من 6 ملايين طفل على مستوى الجمهورية دون وجود بنية مؤسسية واضحة وآليات رقابة فعالة؟".
دعوة لتحري الدقة في تناول قضايا الأسرة
وفي ختام البيان، أكدت الدكتورة إيمان بيبرس أن قضايا الأسرة لا ينبغي أن تتحول إلى مادة للجدل الإعلامي أو الدرامي دون الالتزام بمعايير الدقة والمسؤولية، مشددة على أن توجيه الرأي العام عبر شخصيات فنية محبوبة للترويج لقضايا سبق حسمها شرعًا وقانونًا قد يؤدي إلى إرباك المجتمع وتشويه الحقائق.
كما دعت صناع الدراما ووسائل الإعلام إلى تحري الدقة عند تناول هذه القضايا، والتنسيق مع المؤسسات الدينية والقانونية المختصة، وعلى رأسها الأزهر الشريف والمجلس القومي للمرأة، بما يسهم في تعزيز الوعي المجتمعي وتقديم صورة متوازنة تعكس مصلحة الأسرة المصرية.
وأكدت أن أي نقاش يتعلق بقوانين الأسرة يجب أن يستند أولًا إلى الشريعة الإسلامية والقانون ومصلحة الطفل الفضلى، باعتبارها الأساس الذي يحفظ استقرار المجتمع ويصون حقوق جميع أطراف الأسرة.