بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

فى الصميم

الصيام.. ومحاربة الغش والجشع

تطل علينا العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك، حاملة معها عبير المغفرة ونسمات العتق من النار، وهى الأيام التى كان النبى صلى الله عليه وسلم يشد فيها مئزره ويحيى ليله ويوقظ أهله، ليس فقط طلبًا للعبادة الفردية، بل استنهاض لروح الأمة وقيمها الكبرى، إن هذه الأيام ليست مجرد محطة لزيادة الركعات والأدعية، بل هى اختبار حقيقى لمدى تمسكنا بقيم القرآن الكريم الذى نزل فى هذا الشهر وفى ليلة القدر تحديدًا، لتكون دستورًا للحياة ومنهاجا للتعامل البشرى الراقى. 

إن القيمة الكبرى التى يرسخها رمضان فى نفوسنا هى قيمة «الجسد الواحد»؛ فالمسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضًا، ومن هذا المنطلق لا بد أن نتساءل:كيف يمكن لروحانية العشر الأواخر أن تنعكس على واقعنا الاجتماعى؟ إن الإجابة تكمن فى تحويل العبادة من طقس مجرد إلى سلوك حى يلمسه الناس فى الأسواق والشوارع والمعاملات، إن المجتمع الذى يتلو القرآن فى المحاريب، لا بد أن يطبق عدالة القرآن فى الموازين، وإن رحمة الصائم بظمئه وجوعه يجب أن تترجم إلى رحمة بأحوال الناس وظروفهم المعيشية، ومن المخزى والمحزن أن نرى فى بعض الأوقات صورًا من الجشع واستغلال الظروف الطارئة أو المواسم المباركة لرفع الأسعار والتضييق على الناس، إن استغلال حاجة الناس فى مواسم الطاعة هو ابتعاد صارخ عن روح رمضان ومناقضة تامة لمقاصد الصيام. 

فالتاجر الذى يستلهم روح ليلة القدر هو ذلك الذى يرى فى تخفيف العبء عن كاهل أخيه المسلم قربة إلى الله تفوق فى أجرها الكثير من النوافل، إن بركة الرزق لا تأتى من زيادة الأرباح عبر الاحتكار أو المغالاة، بل تأتى من «السماحة» فى البيع والشراء، ومن استشعار مراقبة الله فى كل مليم  يدخل الجيب، ليلة القدر، تلك الليلة التى هى خير من ألف شهر، لم تنزل فقط لتمجيد السماء، بل لتغيير الأرض وبناء الإنسان، هى ليلة السلام «سلام هى حتى مطلع الفجر»، والسلام لا يتحقق فى مجتمع ينهش بعضه بعضًا ماديًا، أو يستغل القوى فيه الضعيف. إن التحلى بقيم القرآن يعنى أن نكون مجتمعًا متكافلاً، يرفض الأنانية ويقدم مصلحة الجماعة على الأطماع الفردية الزائلة، فى هذه العشر المباركة، ندعو أنفسنا ومجتمعنا إلى وقفة مع الذات.

لنجعل من مساجدنا منطلقًا للتكافل، ومن بيوتنا مدارس للإيثار، ومن أسواقنا ساحات للنزاهة والرحمة، إن تعزيز التعاون المجتمعى فى هذه الايام هو أبلغ رد على التحديات والأزمات، وهو السبيل الوحيد لنيل بركات هذا الشهر الكريم، فلنجعل من هذه الأيام فرصة لنثبت للعالم أن قيمنا ليست مجرد نصوص نقرأها، بل هى واقع نعيشه، ورحمة نهديها للعالمين، مستلهمين من نور القرآن هداية للقلوب وإصلاحًا للمجتمعات.

[email protected]