بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

عيد الأم بين اليابان والعالم العربى

فى كل ثقافة من ثقافات العالم تكاد الأم تكون اللحن الأول الذى يتعلمه الإنسان قبل أن يتعلم الكلام.

فى الثقافة اليابانية يظهر هذا الامتنان غالباً فى صورة شعرية شديدة الاختزال، كما فى أحد نصوص الهايكو للشاعر اليابانى كوباياشى إيسّا (1763-1828) الذى كتب:

على ركبتى الأم

يحلم طفلٌ نائم

بنسيم الربيع.

فى هذا المشهد الصغير تختفى كل مظاهر الخطاب المباشر. فلا نداء للأم ولا إعلان صريح للحب، بل صورة هادئة تتكثف فيها العاطفة الإنسانية كما تتكثف قطرة الندى على ورقة شجر. الأم هنا ليست موضوعاً للمديح، بل فضاءً للسكينة. ركبتاها تتحولان إلى عالم كامل ينام فيه الطفل، بينما يمر نسيم الربيع فى الخلفية كأن الطبيعة نفسها تشارك فى حماية هذا الحلم الصغير. وهذه الطريقة فى التعبير تشبه طبيعة الفن اليابانى عموماً، الذى يميل إلى الإيحاء والرهافة أكثر مما يميل إلى الانفعال العاطفى الصاخب.

وعندما ننتقل إلى الغناء العربى تتبدل الصورة. فالأم فى الأغنية العربية ليست خلفية هادئة للحياة اليومية، بل محور عاطفى يُخاطَب مباشرة وتُعلن له المحبة بوضوح. ويظهر ذلك فى الأغنية المصرية المعروفة:

ماما يا حلوة يا أجمل غنوة

عايشة فى قلبى وجوه كياني

إنتى يا ماما ملاك من الجنة

تحت جناحك أعيش وأتهنى

هنا تتحول الأم إلى خطاب مباشر وصورة شبه ملائكية. فالأغنية لا تكتفى بوصف الحنان، بل تحتفل به بصوت مرتفع، كأن الغناء نفسه محاولة لتعويض ما يعجز الكلام العادى عن قوله. الأم ليست مجرد حضن، بل «أجمل غنوة» و«ملاك من الجنة»، أى مصدر الفرح والحماية معاً.

وفى الشعر العربى الحديث تتسع صورة الأم لتأخذ بعداً رمزياً أعمق، كما فى قصيدة «أحن إلى خبز أمي» للشاعر الفلسطينى محمود درويش التى كتبها فى السجن:

أحنّ إلى خبز أمى

وقهوة أمي

ولمسة أمي

وتكبر فى الطفولة يوماً على صدر يوم

وأعشق عمرى لأنّى إذا متُّ أخجل من دمع أمى.

فى هذه الأبيات تتحول الأم إلى أكثر من صورة عائلية؛ فهى الأم الحقيقية وذاكرة الطفولة ورمز الوطن فى آن واحد. فالخبز والقهوة واللمسة ليست تفاصيل منزلية فحسب، بل مفاتيح للبيت الأول الذى يحمله الإنسان معه أينما ذهب.

وهكذا يكشف التأمل فى هذه النصوص اختلافاً واضحاً فى أساليب التعبير. ففى اليابان تُقال العاطفة بأقل عدد ممكن من الكلمات حتى تبدو كأنها جزء من الطبيعة نفسها، بينما تُقال فى الثقافة العربية بإيقاع موسيقى واضح وتكرار يعكس قوة الحنين. ومع ذلك يبقى المعنى العميق واحداً: فالأم، سواء ظهرت فى هايكو هادئ أو فى أغنية عربية دافئة، هى اللغة الأولى التى يتعلم بها الإنسان معنى الحنان، واللحن الذى يبقى فى الذاكرة.

وكل عام وكل الأمهات بخير.