بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

العالم بعد طغيان القوة ؛؛؛ هل يولد التوازن من رحم الفوضى؟

 


لم يعد ما يجري في العالم قابلاً للفهم بوصفه سلسلة أخطاء سياسية أو تجاوزات ظرفية، بل أصبح تعبيرا ً صريحا ً عن لحظة كاشفة تسقط فيها الأقنعة، وتُدار العلاقات الدولية بمنطق القوة المجردة. 
حين تصل دولة كبرى إلى حد الاعتداء السافر على سيادة دولة أخرى، والتعامل مع قيادتها خارج أي إطار قانوني دولي، فإن الرسالة لا تكون موجهة إلى الضحية وحدها، بل إلى العالم بأسره؛ من لا يملك القوة، لا يملك الحصانة.
في مثل هذه اللحظات لا يصبح السؤال الأهم هو ماذا فعلت الولايات المتحدة، بل إلى أين يتجه العالم بعد أن تآكلت الخطوط الحمراء، وتحول الاستثناء إلى قاعدة. 
الخطر الحقيقي لا يكمن في الفعل ذاته، بل في اعتياده، لأن تطبيع الطغيان أخطر من الطغيان نفسه؛ فحين تفقد القواعد الدولية هيبتها، تدخل الدول في حالة قلق دائم، لا بحثا ً عن “الدور القادم” بقدر ما تبحث عن مستوى انكشافها أو قدرتها على الردع.
في هذا المناخ المشحون تتزايد هشاشة الدول التي تعاني من ضعف داخلي أو عزلة سياسية أو موقع جغرافي بالغ الحساسية، لكن المفارقة أن العالم لا يتجه إلى صدام شامل بقدر ما ينزلق إلى فوضى مُدارة، تُستخدم فيها القوة كأداة ضغط، لا كحرب معلنة، ويُعاد فيها تشكيل موازين النفوذ خطوة خطوة دون إعلان رسمي عن نظام جديد.
من هنا تبرز التساؤلات حول إمكانية قيام اتحاد كونفيدرالي يضم قوى كبرى مثل روسيا والصين وكوريا الشمالية وباكستان، بوصفه ردا ًمباشراً على الهيمنة الأمريكية .. هذه الفكرة رغم جاذبيتها العاطفية، تصطدم بواقع أكثر تعقيدا ً. فهذه الدول لا يجمعها مشروع حضاري موحد ولا رؤية سياسية واحدة، بل مصالح متداخلة وأحيانا ً متناقضة. فالصين قوة اقتصادية كبرى تبحث عن الاستقرار والأسواق، وروسيا قوة صلبة تخوض مواجهة مفتوحة مع الغرب، وكوريا الشمالية كيان ردعي خاص بمنطق البقاء، وباكستان دولة محكومة بتوازنات إقليمية دقيقة وعلاقات متشابكة. الاتحادات الكونفيدرالية لا تولد من الخوف المشترك، بل من رؤية طويلة المدى، وهذا الشرط لم ينضج بعد.
البديل الواقعي الذي يتشكل أمام أعيننا ليس اتحادا ً صلبا ً، بل شبكة توازنات مرنة، عالم تتحرك فيه الدول عبر تحالفات متغيرة بحسب الملف لا بحسب الهوية الأيديولوجية، تنسيق اقتصادي هنا، وتعاون أمني محدود هناك، واصطفاف سياسي انتقائي في لحظات محددة .. إنه عالم الترابط لا الاندماج، والمصالح لا الشعارات.
في هذا الإطار، تظهر مجموعة BRICS بوصفها أحد أهم أدوات إعادة التوازن الناعمة. ليست BRICS تحالفا ً عسكريا ً، ولا تسعى إلى إسقاط الهيمنة الأمريكية بالقوة، لكنها تعمل على نزع احتكارها، حين تمثل دولها أكثر من أربعين في المئة من سكان العالم، وتمتلك قدرا ً هائلا ً من الموارد والطاقة، وتسعى تدريجيا ً إلى تقليص الاعتماد على الدولار، فإنها تُحدث تصدعا ً بطيئا ً لكنه عميق في بنية النظام المالي العالمي .. هذا التصدع لا يعني انهيارا ً فوريا ً، لكنه يمنح الدول المتوسطة مساحة أوسع للمناورة، ويحد من فاعلية سلاح العقوبات.
ومع ذلك، تظل BRICS محكومة بحدود واضحة؛ فهي تفتقر إلى قرار سياسي موحد، وتعاني من تباينات داخلية في الأولويات والمصالح، فقوتها تكمن في كونها منصة مقاومة ناعمة، لا جبهة صدام مباشر، تستطيع أن تُضعف الهيمنة، لكنها لا تستطيع حتى الآن ردع التدخلات العسكرية أو فرض قواعد دولية جديدة بالقوة.
العالم إذن لا يتجه إلى عدالة دولية شاملة، بل إلى توازن قلق، أقرب إلى “توازن رعب غير معلن”. هذا التوازن لا يُصنع عبر اتحاد كونفيدرالي ضخم، بل عبر تفكك مركز القوة الواحد، وتوزع النفوذ على عدة أطراف، بحيث يصبح استخدام القوة مكلفا ً، وإن لم يصبح مستحيلا ً.
نحن نعيش مرحلة انتقالية خطرة، قد تفضي إلى نظام دولي أقل استقرارا ً، لكنه أيضا ً أقل خضوعا ً. إما أن تنجح القوى الصاعدة في بناء شبكة مصالح متشابكة تحد من الطغيان، أو ينزلق العالم إلى فوضى تُدار بالقوة لا بالقانون. وفي كلتا الحالتين، بات مؤكدا ً أن العالم الذي عرفناه قبل سنوات، بقواعده ومسلماته، لم يعد موجودا ً.