بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

كيف انكسرت أمريكا وإسرائيل في الحرب على إيران

في الحروب الكبرى لا تكفي النار وحدها لصناعة النصر، ولا يكفي حجم الدمار لإعلان الهزيمة على الطرف، فالتاريخ العسكري والسياسي يعلمنا أن ميزان القوة لا يُقاس فقط بعدد الطائرات والطلعات والأهداف المدمرة، بل يُقاس قبل ذلك وبعده بالسؤال الحاسم: من الذي فرض إرادته السياسية في نهاية المعركة، ومن الذي أخفق في تحويل تفوقه العسكري إلى نتيجة نهائية ثابتة؟!

من هذه الزاوية يمكن قراءة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بوصفها واحدة من أكثر الحروب تعقيدًا في القرن الحادي والعشرين، حربٌ امتلك فيها المعسكر الأمريكي الإسرائيلي التفوق الجوي والتقني والقدرة التدميرية الكاسحة، لكنه لم يستطع حتى الآن أن يحقق الأهداف الكبرى التي قامت الحرب من أجلها، بينما نجحت إيران، رغم الخسائر الفادحة التي تكبدتها، في أن تحوّل صمودها إلى معادلة انتصار استراتيجي، وأن تدفع واشنطن إلى مواجهة الحقيقة الأكثر مرارة في الحروب الحديثة وهي «قد تربح السماء وتخسر السياسة» و«قد تدمر الأهداف ولا تحطم الإرادة».

 

كيف تخسر إيران المعارك الميدانية وتربح الحرب استراتيجيًا؟

دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب بأهداف واضحة ومحددة، وهي، إسقاط النظام الإيراني، والقضاء الكامل على البرنامج النووي، وتفكيك منظومة الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة التي تشكل العمود الفقري لقدرة الردع الإيرانية.

وكان التصور الاستراتيجي يقوم على أن التفوق الجوي والتكنولوجي، مقرونًا بضربات مركزة للبنية العسكرية والاقتصادية، كفيل بإحداث صدمة استراتيجية تُفقد إيران قدرتها على الاستمرار.

غير أن تطورات الحرب كشفت أن هذه الأهداف لم تتحقق بالصورة التي خُطِّط لها، فالضربات العسكرية، رغم شدتها، لم تُسقط النظام، ولم تُنهِ البرنامج النووي نهائيًا، ولم تُصفِّر القدرة الصاروخية الإيرانية، وبقيت الدولة قائمة، واستمرت مؤسساتها في العمل، وظلت القدرة على الرد حاضرة في الميدان، وهنا بدأ يتضح أن التفوق العسكري في العمليات لا يكفي وحده لصناعة النصر إذا لم يتحول إلى نتيجة سياسية حاسمة.

ويرتبط هذا الإخفاق الأمريكي بجملة من العوامل الإيرانية العميقة التي لم يقدّر الجانب الأمريكي حساباتها، ومن أبرزها طبيعة الدولة الإيرانية الدينية الأيديولوجية العميقة، فهي دولة ذات بنية مؤسسية معقدة وقدرات موزعة ومرنة يصعب شلّها بضربة واحدة.

ويأتي في قلب هذه البنية الحرس الثوري الذي تطور منذ الثورة الإيرانية إلى منظومة أمنية وعسكرية واقتصادية واسعة النفوذ، قادرة على إدارة الحرب في الداخل والخارج، والعمل ضمن شبكة متعددة المستويات من القوات النظامية والقوى «الرديفة»، وهي قوات مساندة غير تقليدية تعمل إلى جانب الجيش مثل قوات التعبئة الشعبية «الباسيج»، والوحدات شبه العسكرية، وقوات الاحتياط والدفاع الشعبي، وهو ما يمنح الدولة الإيرانية طبقات متعددة من القدرة القتالية ويجعل تفكيكها بضربة واحدة أمرًا بالغ الصعوبة.

إلى جانب ذلك، تلعب الذاكرة التاريخية والهوية الحضارية دورًا مهمًا في تشكيل السلوك الاستراتيجي الإيراني، فإيران، التي تعرضت عبر تاريخها لاجتياحات وضغوط خارجية متعددة، طورت عبر قرون قدرة متكررة على امتصاص الصدمات وإعادة إنتاج الدولة.

ثم يأتي العامل الاقتصادي والسياسي الذي أثبت بدوره محدودية أدوات الضغط التقليدية، فمنذ أكثر من أربعة عقود تعيش إيران تحت منظومة معقدة من العقوبات والحصار الاقتصادي، ومع ذلك لم يسقط النظام ولم تتفكك الدولة، بل طورت طهران نموذجًا من الاقتصاد التكيفي القائم على الالتفاف التجاري وتعظيم السوق الداخلية وبناء شبكات مالية وتجارية بديلة، وهو ما جعل المجتمع والدولة أكثر اعتيادًا على العمل تحت الضغط، وأقل قابلية للانهيار السريع في مواجهة الصدمات الخارجية.

 

الخسائر البشرية والعسكرية في الحرب الأمريكية على إيران

تكشف الأرقام المتراكمة عن حجم غير مسبوق من الخسائر البشرية والمادية، ففي إيران سقط ما لا يقل عن 1348 قتيلًا وأكثر من 17 ألف جريح نتيجة الضربات الجوية المكثفة، مع استهداف أكثر من 21,700 موقع مدني شملت نحو 17,353 وحدة سكنية و4122 منشأة تجارية و160 مركزًا صحيًا، إضافة إلى خروج 9 مستشفيات و69 مدرسة عن الخدمة.

وفي المقابل تعرضت إسرائيل لـ 174 موجة هجوم صاروخي ومسيّر استهدفت تل أبيب الكبرى ومراكز اقتصادية، وأسفرت عن 15 قتيلًا ونحو 2745 مصابًا، إلى جانب تقديم أكثر من 9115 طلب تعويض عن أضرار في المباني والممتلكات.

أما الولايات المتحدة فقد تكبدت 8 قتلى ونحو 150 جريحًا في قواتها المنتشرة في المنطقة، إضافة إلى خسارة 11 طائرة مسيّرة MQ-9 تزيد قيمتها على 330 مليون دولار، وسقوط 3 مقاتلات F-15E، وتدمير رادار لمنظومة THAAD في الأردن بقيمة تقارب 300 مليون دولار. وتشير التقديرات إلى أن العمليات الأمريكية وحدها كلفت أكثر من 11.3 مليار دولار خلال الأيام الستة الأولى من الحرب.

وعلى المستوى العملياتي أعلنت واشنطن وتل أبيب استهداف نحو 1250 هدفًا خلال أول 48 ساعة قبل أن يرتفع العدد إلى قرابة 15 ألف هدف خلال أسبوعين، أي بمعدل يقارب 625 هدفًا يوميًا في البداية ثم نحو 1000 هدف يوميًا لاحقًا.

وتشير طبيعة العمليات الجوية متعددة المنصات إلى أن الحملة احتاجت ما بين 250 و450 طلعة هجومية وإسنادية يوميًا تشمل المقاتلات والقاذفات والطائرات الإلكترونية والمسيّرات وطائرات التزوّد بالوقود.

كما اعتمدت إيران في المقابل على صدمة نارية كثيفة في الأيام الأولى، إذ أطلقت أكثر من 540 صاروخًا ونفذت أكثر من 1450 هجومًا بطائرات مسيّرة حتى 3 مارس، بمعدل يقارب 180 صاروخًا و483 مسيّرة يوميًا، ومع اتساع الحملة انخفضت الوتيرة بنحو 90% للصواريخ و83% للمسيّرات وفق تقديرات البنتاغون، في انتقال محسوب من الضربات الكثيفة إلى الاستنزاف الانتقائي طويل المدى.

وتبرز هنا معادلة «اقتصاد الاعتراض الدفاعي» بوصفها إحدى مفارقات الحرب، فكلفة صاروخ Tamir في منظومة القبة الحديدية تتراوح بين 50 ألفًا و80 ألف دولار، بينما قد تبلغ كلفة الاعتراض في منظومات David’s Sling وArrow بين 700 ألف و4 ملايين دولار.

أما منظومات الدفاع الأمريكية الأثقل، فقد بلغت صفقة شراء 600 صاروخ PAC-3 MSE نحو 5 مليارات دولار بما يعادل نحو 8.3 ملايين دولار للصاروخ الواحد، في حين خصصت ميزانية 2025 نحو 247 مليون دولار لشراء 12 صاروخ THAAD، أي نحو 20.6 مليون دولار للصاروخ الواحد.

وتكشف هذه الأرقام معادلة استراتيجية واضحة، أن الهجوم قد يكون أقل كلفة نسبيًا، بينما يصبح الدفاع عنه باهظ الثمن، ما يحول الدفاع الجوي نفسه إلى أداة استنزاف مالي متزايد في الحروب الحديثة.

وفي ختام هذا المشهد المعقد من الصراع تتضح حقيقة تاريخية في الحروب الكبرى، وهي أن القوة العسكرية ليست وحدها من يكتب النهاية، حيث امتلكت الولايات المتحدة وإسرائيل التفوق في السماء والنار والتكنولوجيا، وألحقتا بإيران أضرارًا واسعة في بنيتها العسكرية والاقتصادية، غير أن ذلك كله لم يتحول حتى الآن إلى الانتصار السياسي الذي قامت الحرب من أجله.

فالدولة الإيرانية لم تسقط، والبرنامج النووي لم يُمحَ، والقدرة الصاروخية لم تختفِ من معادلة الردع، كما لم تنكسر الإرادة السياسية التي حملت الدولة على الاستمرار في المواجهة.

وهنا تظهر المفارقة التي تلخص معنى هذه الحرب «قد يسيطر الأقوى على الميدان، لكنه لا ينتصر إذا عجز عن فرض إرادته». 

لقد دخلت واشنطن وتل أبيب الحرب بحثًا عن حسم سريع يعيد رسم موازين القوة في المنطقة، لكن ما تحقق حتى اللحظة هو العكس، حرب طويلة مكلفة تآكلت فيها صورة الحسم وارتفعت فيها كلفة الدفاع والردع، بينما بقيت إيران رغم الخسائر قادرة على الصمود والاستمرار في الفعل.

والخلاصة في مشهد الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية تتجلى «أم القواعد العسكرية» القائلة: «قد تتكلم القوة بصوت المدافع، لكن الكلمة الأخيرة تبقى لمن يصمد ويمنع خصمه من فرض إرادته»، وهو ما نجحت فيه إيران حتى هذه اللحظة، رغم ما أصابها من جراح وخسائر.