الطبقة الوسطى.. بوابة الاستقرار (3)
لم نكد نخرج من دائرة الجدل حول أزمة التضخم في مصر وتآكل القدرة الشرائية، حتى باغتتنا الحكومة بقرار جديد لرفع أسعار الوقود والسولار والغاز بقيمة ثلاثة جنيهات إضافية لكل لتر، وعزت ذلك إلى تداعيات التوترات الإقليمية.
هذه "صدمة السحور" -كما وصفتها جريدة الوفد- وسعت فجوة الجدل حول آليات التعاطي الحكومي مع الأسعار؛ فبينما ذهبت تفسيرات إلى أنها وسيلة لسد العجز المالي في موازنة عام 2026 البالغ 1.5 تريليون جنيه، بررت الحكومة الخطوة بأنها إجراء وقائي للتحوط ضد تقلبات أسعار الطاقة العالمية.
ومع تلاحق هذه القرارات، تزداد الأعباء على كاهل الطبقة المتوسطة التي تبدو وكأنها سقطت من حسابات السياسات الحمائية، رغم تخصيص أكثر من 740 مليار جنيه للدعم الاجتماعي الموجه للفئات الأقل دخلاً. ومن المعقول القول إن الحكومة لا تملك عصا سحرية لبسط الرخاء فجأة، لكن هذا لا يعفيها من ضرورة امتلاك سياسات واقعية وناجزة لدعم هذه الطبقة، بوصفها الرافعة الأساسية للاقتصاد والحارس الأمين على ثبات الشخصية المصرية.
فخلال العقدين الأخيرين، شهدت هذه الطبقة تحولات غير مسبوقة تضعها على حافة الهشاشة الاقتصادية، وهي حالة تتجاوز التراجع المالي لتطال منظومة القيم من الطموح التعليمي إلى القدرة على التخطيط للمستقبل.
إن إنقاذ الطبقة الوسطى يتطلب أولاً جسر الفجوة بين نمو الاقتصاد الكلي والواقع المعيشي للأسر. وإذا كان من الجيد تخصيص قرابة ثلث الإنفاق العام للصحة والتعليم، إلا أن الواقع يشير إلى أن المواطن ما زال ينفق ما بين 30% إلى 40% من دخله على "التعليم الموازي" والخدمات الطبية الخاصة.
لذا، فإن التوسع في إصلاح التعليم العام وتحويله لنموذج "المدارس الذكية" لم يعد رفاهية، بل هو ضرورة لتحرير ميزانية الأسرة من قيود الدروس الخصوصية، مع ضرورة ربط التعليم الجامعي بسوق العمل العالمي ليتحول الخريج من طالب للرعاية إلى مورد للدخل الأجنبي؛ وهو ما يتطلب إعادة نظر جذرية في جودة التعليم الحكومي برمته.
وعلى توازي الخدمات، تبرز السياسات الإسكانية كحجر زاوية في استقرار هذه الطبقة، فالسكن يمثل "الثقب الأسود" الذي يبتلع مدخرات الأسر لعقود طويلة. ومن المؤكد أننا بحاجة لتجاوز مجرد بناء الوحدات إلى ابتكار حلول تمويلية طويلة الأمد تصل إلى 30 عاما، وبفائدة ميسرة لا تتجاوز 3%. إن التوسع في نماذج مثل الإيجار المنتهي بالتمليك، وتوفير وحدات سكنية في المدن الجديدة بأسعار تنافسية هو الضمانة الوحيدة لمنع تآكل وسادة الصدمات المالية للأسر، مما يتيح لها توجيه فوائضها البسيطة نحو الاستثمار الإنتاجي بدلا من الديون العقارية المرهقة..
أما المحرك الإنتاجي، فيتطلب جرأة تليق بحجم الأزمة، وهنا تبرز الحاجة لإطلاق مبادرة وطنية طموحة برأسمال لا يقل عن مليار دولار تستهدف تبني 50 ألف مشروع صغير ومتوسط كل عام، هذه المبادرة يجب أن تخرج من عباءة الإقراض التقليدي الذي أثقل كاهل الشباب بفوائد تتجاوز 20% - وهي الفوائد التي يشكو وطأتها حتى كبار رجال الأعمال - لتتبنى نظام صناديق الشراكة الاستثمارية.
فاستثمار مليار دولار في 50 ألف عقل ومنتج كل عام ليس مجرد رقم مالي، بل هو بناء جيش من المصدرين والمبتكرين في قطاعات التكنولوجيا والخدمات الرقمية والصناعات التحويلية، مبادرة كفيلة بخلق مئات الآلاف من فرص العمل النوعية، وتحويل الطبقة الوسطى من فئة مهددة بالتآكل إلى نمر اقتصادي يقود قاطرة الصادرات المصرية.
ولأن الحلول لا تقف عند حدود الدعم، فلا بد من الانتقال بمفهوم حماية الطبقة الوسطى من الرعاية إلى التمكين الاستثماري، وذلك عبر تأسيس أوعية ادخارية سيادية تخصص حصريا لهذه الطبقة، تتيح لهم تملك حصص في الأصول الإنتاجية للدولة بضمانات تحمي القيمة الشرائية لمدخراتهم.
إن تحويل المدخر الصغير إلى شريك في النمو هو الضمانة الوحيدة لخلق مجتمع يدافع عن منجزاته لأنه يملك حصته فيها..
بين هذه الحلول الهيكلية والإجرائية، لا بد للهيكل المالي للدولة أن ينحاز لفكرة توسيع القاعدة لا تضييقها، عبر تعديل النظام الضريبي ليسمح بخصم مصروفات التعليم والعلاج إلكترونيا من الوعاء الضريبي، ما يحفز المواطنين على طلب الفواتير الرسمية ويدمج الاقتصاد غير الرسمي. إن الدولة التي تفتخر بامتلاك 91 مليون مشترك محمول، تمتلك في قبضتها كنزا معلوماتيا يتيح لها حوكمة الدعم بدقة عبر مؤشر استحقاق مركب، يوجه الخدمات لمن هم في المساحة الرمادية، بناء على الالتزامات الأسرية والقدرة على مواجهة التضخم، وليس الدخل الاسمي فقط.
إن استقرار مصر ومجتمعها كما ننشد ليس مجرد أرقام في موازنة صماء، بل هو في دعم صمود الطبقة الوسطى التي تمثل ضمير المجتمع ومحرك نموه.
لذا فإن إعادة تمكين هذه الطبقة عبر بوابة السكن الميسر، والمبادرات الإنتاجية الكبرى، والسياسات المالية المرنة، سيعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة بلا أدنى شك، ويحولها من علاقة انتظار للدعم إلى علاقة شراكة في البناء والابتكار. ذلك أن استقرار مصر يبدأ من تحويل فكرة الدعم إلى فكرة التحفيز على الملكية عبر عقد اجتماعي جديد، ولا يمكن أن يمر ذلك إلا عبر بوابة الطبقة الوسطى.. فهل نفتحها الآن؟