بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

غياب المعلومات فى حرب المعلومات

نحن نواجه إشكاليتى المعرفة والحقيقة فى زمن حرب المعلومات، أبرز الصعوبات التى تواجه تغطية ومتابعة وتحليل الحرب الحالية غياب سردية الحقيقة، فالأخبار التى تحاول تفسير هذه الحروب قد -هى نفسها- تكون جزءاً أصيلاً منها الحروب الحديثة هى حروب معلومات -بالأساس- قبل أن تكون حروب أسلحة؛ والحرب المعلوماتية أصبحت جزءاً أصيلاً من الحروب والعمليات العسكرية، بما فى ذلك العمليات الإلكترونية المنسقة، والتلاعب عبر المنصات، والتزييف العميق بواسطة تطبيقات الذكاء الاصطناعى. ورأينا كيف كان أحد تلك التطبيقات حاسماً فى تحديد موقع المرشد السابق على خامنئى، ورصد تحركاته واغتياله.
لطالما تضمنت التكتيكات العسكرية، منذ فجر التاريخ، الدعاية والتلاعب بالمعلومات والخداع، الحروب الحديثة لم تعد تقتصر على السيطرة على الأرض أو تدمير القدرات العسكرية للخصم، بل أصبح أحد أهدافها الرئيسية السيطرة على الإدراك البشرى نفسه. الولايات المتحدة تستخدم مفهوم «حرب المعلومات» كجزء من مزيج من العمليات النفسية، وعمليات المعلومات العسكرية، والعمليات السيبرانية. وزارة الحرب الأمريكية تنظر إلى العمليات المعرفية باعتبارها أحد مكونات العمليات متعددة المجالات التى يتم فيها تنسيق التأثير النفسى مع الهجمات السيبرانية وحملات المعلومات.
أما روسيا فتستخدم مصطلح «التأثير النفسى المعلوماتى»، وهو مفهوم يتداخل مع فكرة التأثير فى الوعى الجمعى للمجتمعات المستهدفة. وتنص عقيدة الأمن المعلوماتى الروسية الصادرة عام 2016 على أن التأثير المعلوماتى يمكن أن يُستخدم لتقويض القيم الثقافية والروحية للمجتمعات المنافسة، فضلاً عن زعزعة الاستقرار السياسى الداخلى. وفى المقابل، تطور الصين مقاربة مختلفة ضمن ما يعرف بـاستراتيجية الحروب الثلاث: الحرب النفسية، والحرب القانونية، والحرب الإعلامية. ويؤكد الكتاب الأبيض للدفاع الوطنى الصينى لعام 2019 أن حسم الحروب المستقبلية لن يعتمد فقط على التفوق العسكرى، بل على قدرة الأطراف المتنافسة على تشكيل إدراك الأفراد للأحداث وتوجيه تفسيرهم لها. 
هى «حروب هجينة» إذن؛ تجمع ما بين الأدوات العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية والإعلامية لتحقيق الأهداف الاستراتيجية حتى دون الحاجة إلى مواجهة عسكرية مباشرة إذ إن تغيير تصور ووعى الجمهور المستهدف قد يحقق أهدافاً سياسية واستراتيجية بأقل تكلفة عسكرية ممكنة. وهذا النمط من الحروب هو حرب مفتوحة مستباح فيها استخدام كل الأدوات؛ حيث تتم إدارة السرديات السياسية عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعى عبر حملات التضليل الإعلامى ونشر المعلومات المضللة. والعمليات السيبرانية المرتبطة بتسريب أو تحريف المعلومات. وكذلك استغلال الانقسامات الثقافية أو العرقية داخل المجتمعات المستهدفة. وهنا تغيب سردية الحقيقة بشكل متعمد حول أى حرب ونزاع.
حرب الخليج الثالثة الحالية هى نموذج عملى لكل ما سبق؛ فالجانب الأكثر تعقيداً فى هذه الحرب هو غياب المعلومات الدقيقة وسردية الحقيقة، فمنذ الساعات الأولى للعمليات العسكرية والضربات الجوية الأمريكية الإسرائيلية، ورد إيران بالصواريخ والمسيرات، امتلأت وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعى بسيل من الأخبار المتضاربة حول أرقام غير مؤكدة للخسائر. وروايات متناقضة حول نجاح الضربات أو فشلها. إضافة إلى آلاف المنشورات حول تسريبات استخباراتية غير قابلة للتحقق. هذا التضارب لم يكن مجرد نتيجة للفوضى الإعلامية، بل أصبح جزء من أدوات الحرب نفسها. 
لهذا، يصبح الهدوء المعلوماتى، والتحقق من مصدر المعلومة ومصداقية الرواية من خلال البيانات الرسمية والتقارير الموثوقة هو فضيلة ضرورية ومطلوبة فى زمن الفوضى الرقمية. ومن هنا يصبح السؤال المشروع الذى ينبغى أن يطرحه كل فرد فى عصر حرب المعلومات: هل ما أشاهده وأقرأه تفسير حقيقى للواقع، أم محاولة لتوجيه إدراكى له؟