الزاد
الجشع
مع كل قرار بزيادة أسعار الوقود يتكرر المشهد نفسه فى الأسواق. ترتفع الأسعار بسرعة لافتة، وكأن بعض التجار ينتظرون هذه اللحظة ليعلنوا سباقًا جديدًا فى رفع الأسعار. قبل أن يشعر السوق فعلًا بزيادة تكلفة النقل أو الإنتاج، يجد المواطن نفسه أمام قائمة جديدة من الأسعار المرتفعة، وكأن القرار أصبح مبررًا جاهزًا لزيادة كل شىء دون حساب.
المشكلة أن بعض التجار لا يتعاملون مع هذه القرارات بقدر من المسئولية، بل ينظرون إليها باعتبارها فرصة لتحقيق أرباح أكبر. فبمجرد الإعلان عن زيادة الوقود ترتفع أسعار السلع الأساسية والخدمات المختلفة، وأحيانًا بنسب تفوق كثيرًا الزيادة الحقيقية فى التكلفة. والنتيجة أن المواطن يتحمل عبئًا مضاعفًا، عبء القرارات الاقتصادية من ناحية، وعبء جشع البعض من ناحية أخرى.
ولعل ما يزيد من الأزمة أن هذه الزيادات لا تتوقف عند حد معين. فكل تاجر يرفع السعر بطريقته، وكل سوق يضيف نسبة جديدة، حتى تتحول الزيادة المحدودة فى تكلفة الوقود إلى موجة واسعة من الغلاء تطال كل شىء تقريبًا. وفى هذه اللحظة يشعر المواطن أن الأسواق تُترك بلا رقابة كافية، وأن هناك من يستغل الظروف الاقتصادية الصعبة لتحقيق مكاسب سريعة على حساب الناس.
لذلك فإن مواجهة جشع التجار أصبحت ضرورة ملحة. فالسوق لا يمكن أن يترك للجشع، خاصة عندما يتعلق الأمر بالسلع الأساسية التى يحتاجها المواطن يوميًا. الرقابة الصارمة على الأسعار، وتفعيل دور الأجهزة المعنية، ومحاسبة كل من يثبت استغلاله للأزمة، خطوات ضرورية حتى يشعر المواطن أن هناك من يحميه من هذا العبث بالأسعار.
ولا يتعلق الأمر بالعقوبات فقط، بل بخلق حالة من الانضباط فى الأسواق. فالتاجر الذى يلتزم بالسعر العادل يجب أن يشعر بأن الدولة تحميه من المنافسة غير المشروعة، بينما من يرفع الأسعار بلا مبرر يجب أن يواجه بإجراءات رادعة. فاستقرار الأسواق جزء أساسى من الاستقرار الاقتصادى والاجتماعى، ولا يمكن تحقيقه فى ظل حالة من الفوضى السعرية.
وفى خضم هذه الظروف يبرز الحديث عن التقشف وترشيد الإنفاق. فالتقشف الحقيقى لا يكون مجرد قرارات تعلنها الحكومة، بل سياسة يشعر بها المواطن حين يرى أن الدولة تبدأ بنفسها فى تقليل الإنفاق غير الضرورى، وتطبق الترشيد داخل مؤسساتها قبل أن تطلب من الناس المزيد من الصبر والتحمل.
لكن التقشف وحده لا يكفى إذا ظلت الأسواق مفتوحة أمام جشع البعض. فالمواطن قد يقبل إجراءات الترشيد إذا شعر بعدالتها، لكنه لن يقبل أن يتحمل الأعباء وحده بينما يستغل آخرون الظروف لرفع الأسعار بلا ضابط. لذلك فإن المعادلة العادلة اليوم تقوم على أمرين متكاملين: تقشف حقيقى داخل مؤسسات الدولة، ومواجهة حازمة لكل من يتلاعب بقوت الناس.
فالأزمات الاقتصادية قد تكون قدرًا، لكن جشع بعض التجار ليس قدرًا. وهو أمر يمكن مواجهته إذا توافرت الإرادة والرقابة والقانون. وعندما يشعر المواطن أن الدولة لا تكتفى بطلب الصبر منه، بل تقف إلى جواره فى مواجهة الاستغلال، عندها فقط يمكن أن تعود الثقة إلى الأسواق، ويصبح تحمل الأزمات أمرًا ممكنًا للجميع.