بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

الحرب مع إيران ؛؛؛ حين تتحول الممرات البحرية إلى ساحة الحسم

مع استمرار المواجهة العسكرية الدائرة في المنطقة بين الولايات المتحدة وإيران ؛ ينشغل كثير من التحليل الإعلامي بمتابعة الضربات العسكرية المباشرة واحتمالات اتساع نطاقها، أو انتقالها إلى مستويات أعلى من التصعيد. غير أن القراءة الاستراتيجية الأعمق تشير إلى أن مركز الثقل الحقيقي في هذا الصراع قد لا يكون في سماء طهران أو على حدودها البرية، بل في المياه التي تحيط بها، وفي الممرات البحرية التي تمر عبرها شرايين الطاقة والتجارة العالمية.

فإيران، على مدى عقود طويلة، لم تبنِ عقيدتها الدفاعية فقط على مواجهة تقليدية مع جيوش كبرى، بل عملت في الوقت ذاته على تطوير ما يمكن وصفه باستراتيجية “حرب الممرات البحرية”؛ أي القدرة على تحويل نقاط الاختناق الجغرافية في المنطقة إلى أدوات ضغط قادرة على التأثير في الاقتصاد العالمي بأسره.

ويأتي في مقدمة هذه النقاط مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، حيث تمر نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز القادمة من الخليج.
ويتميز هذا المضيق بحساسية جغرافية شديدة، فممراته الملاحية ضيقة نسبيًا، ما يجعله بطبيعته نقطة اختناق استراتيجية. وفي مثل هذه البيئات البحرية لا تحتاج أي قوة إلى السيطرة الكاملة على المضيق حتى تعطل الملاحة فيه، بل يكفي أن يصبح المرور فيه محفوفًا بالمخاطر حتى ترتفع تكاليف التأمين والنقل، وتبدأ الأسواق العالمية في التفاعل فورا ً.
ومن هنا يصبح واضحا ً أن أي تصعيد واسع في الصراع لن يظل محصورا ً في نطاق العمليات العسكرية التقليدية، بل قد يمتد سريعا ً إلى المجال البحري، حيث تمتلك إيران مجموعة من الوسائل غير التقليدية التي صُممت أساسا ً لرفع تكلفة الحرب، وليس بالضرورة لحسمها عسكريا ً في مواجهة قوة عظمى.

ويزداد تعقيد هذه المعادلة إذا أخذنا في الاعتبار احتمال امتداد التوتر إلى البحر الأحمر وباب المندب، وهو أحد أهم الممرات البحرية التي تربط بين المحيط الهندي والبحر المتوسط عبر قناة السويس.
فأي اضطراب في هذه المنطقة لا يؤثر فقط على حركة الملاحة الإقليمية، بل قد يمتد تأثيره إلى حركة التجارة العالمية بين آسيا وأوروبا.
وفي هذه الحالة قد يجد العالم نفسه أمام وضع استثنائي يتمثل في تعرض اثنين من أهم شرايين الطاقة والتجارة العالمية للاضطراب في الوقت نفسه: مضيق هرمز من جهة، وباب المندب من جهة أخرى.
وهنا تتغير طبيعة الصراع بالكامل، إذ لا يعود مجرد مواجهة عسكرية بين دولتين، بل يتحول إلى أزمة اقتصادية عالمية تتأثر بها أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، وربما الاقتصاد الدولي بأسره.
ومن هذا المنظور، تبدو إيران مدركة لحقيقة ميزان القوى العسكرية التقليدية، لكنها في المقابل تراهن على قدرتها في توظيف الجغرافيا الاستراتيجية للمنطقة لرفع تكلفة الصراع إلى مستويات قد تصبح غير محتملة سياسيا ً واقتصاديا ً.

وفي قلب هذه المعادلة البحرية المعقدة تبرز مصر وقناة السويس كأحد أهم المفاصل الاستراتيجية في حركة التجارة العالمية، فأي اضطراب واسع في مضيق هرمز أو باب المندب لن يتوقف تأثيره عند حدود الخليج أو البحر الأحمر، بل سيمتد مباشرة إلى خط الملاحة الذي يصل آسيا بأوروبا عبر قناة السويس.
وهذا يعني أن استمرار التوتر في هذه الممرات قد يدفع بعض خطوط الملاحة العالمية إلى إعادة حساباتها، سواء عبر تغيير المسارات أو رفع تكاليف النقل والتأمين، وهو ما ينعكس بدوره على حركة التجارة الدولية وعلى استقرار الأسواق.

ومن هنا يصبح استقرار البحر الأحمر وباب المندب مسألة لا تتعلق فقط بالأمن الإقليمي، بل ترتبط مباشرة بالأمن الاقتصادي العالمي، وبالدور الذي تمثله قناة السويس كأحد أهم شرايين التجارة في العالم.

ولهذا تبدو القاهرة، بحكم موقعها الجغرافي ودورها الإقليمي، معنية بدرجة كبيرة بالحفاظ على توازن دقيق يضمن استقرار هذه الممرات الحيوية، ويمنع تحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة قد تمتد آثارها إلى الاقتصاد الدولي بأكمله.

وفي ضوء هذه المعطيات، يبرز سؤال استراتيجي مهم:
هل يدور الصراع الحالي حول هزيمة طرف عسكريا ً فحسب !.. أم أن جوهره الأعمق يتعلق بإعادة رسم قواعد السيطرة على ممرات الطاقة والتجارة في العالم؟