مأزق ترامب بين فضيحة إبستين ومستنقع حرب إيران
يقولون غلطة الشاطر بألف، فكيف بغلطة رئيس أكبر دولة في العالم وأقواها؟ هنا يتبدى المأزق الذي وقع ترامب الباحث عن جائزة نوبل للسلام وسط شلالات الدماء، أوقع به نتنياهو عبر ابتزازه بتسجيلات القواد ورجل الموساد جيفري إبستين، ودفعه دفعًا لخوض حرب لا ناقة لأمريكا فيها ولا جمل، حرب يرفضها العالم والشارع الأمريكي وكبار سياسيي البلاد وجنرالاتها، الذين تعلموا من تجارب الحروب السابقة، ألا تحارب قواتهم المسلحة على أرض غيرهم، ولقضية لا تعنى بلادهم، لأنها حينئذ ستسقط في مستنقع من التلوث لا فكاك منه، ولم يستفد ترامب مِنْ تجارب حروب مَنْ سبقه من الرؤساء الأمريكيين، في كوريا وفيتنام وأفغانستان والعراق، وظن – كما أوهمه نتنياهو – أنها نزهة ساعات وتعود قواته إلى قواعدها سالمة، بعدما تخضع نظام الملالي وتسقطه، ويصفق له مواطنوه ويهتفون باسمه تحت قوس النصر، مثلما حدث لديجول حين دخل باريس، بعد تحررها من احتلال الألمان.
لقد شن ترامب حربًا تناقضت تصريحاته في تفسير أسبابها، فتارة يقول إنها لحماية أمريكا من تهديدات إيرانية، دون أن يوضح ما هي هذه التهديدات، وأخرى يقول إنها لإنقاذ شعب إيران من بطش الملالي، وثالثة يزعم أنها لإسقاط حكم الملالي المعادي لأمريكا، ورابعة لتدمير مشروع طهران النووي، وخامسة لتدمير أنظمتها الصاروخية، وسادسة لأن إسرائيل أصرت على الحرب فدخلها ليعضدها، وجميعها تبريرات غير مقنعة، ولم يتحقق أي هدف من الأهداف المعلن، فلا النظام الإيراني سقط، ولا دمرت صواريخ إيران وبرنامجها النووي، وقاده غروره وتحمسه لعبقرية نتنياهو، للظن أن بقطع الرأس الكبيرة سوف تسقط إيران، وفعلها واغتال مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي، وظهر على شاشات التليفزيون مزهوًا بضربته التي قطعت رأس إيران، فكانت الغلطة الثانية فاغتيال المرشد وحّد إيران، واستنكره حتى الإيرانيين المعارضين لدكتاتورية نظام الملالي، ولو أن ترامب أو أحد المحيطين به قرأ شيئًا عن مذاهب الشيعة، لما أقدم على هذه الخطوة، فالإمام عند الشيعة بمثابة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والإمامة عندهم من أصول عقيدتهم، ومنصب آلهي لذا يطلقون علي إمامهم آية الله، فهو قائد الأمة وكلمته مسموعة، ولهذا جاء الرد كمطرقة على رأس الباغي، إذ أختير مجتبى نجل خامنئي مرشدًا للثورة الإيرنية، وبذلك استبدل ترامب مجتبى أحد أشد الملالي تطرفًا بوالده الراحل الأقل تطرفا والأكثر حكمة، والذي كان ممكنًا التحاور والتفاوض معه، وبالفعل بدأ مجتبى عهده بتكثيف الهجمات الصاروخية على القواعد الأمريكية والمنشئات العسكرية الصهيونية، وإعلان الاستمرار بالحرب حتى هزيمة العدوان، ورفع العقوبات عن إيران، والإقرار بحقها في تخصيب اليورانيوم للاستخدام السلمي، ورافق ذلك إغلاق مضيق هرمز الذي ينقل 20% من البترول للعالم، والذي أدى لزيادة أسعار البترول، وبالتالي زيادة أعباء المواطن الأمريكي، وكان حال مواطني أوروبا أسوأ بعد قفل قطر محبس الغاز، أهم ما يحتاجه الأوروبيون في فصل الشتاء، الأمر الذي أدى إلى تذمر حلفاء أمريكا الأورويين، الذين وجدوا أنفسهم يدفعون ثمنًا اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا باهظًا، لحرب لم يستشرهم ترامب قبل خوضها، لكنه بصفاقة يطالبهم أن يساندوه فيها، وزاد الأمر سوءًا زرع إيران الألغام في المضيق، مما يعرض الناقلات لخطر الانفجار، وقد يؤدي إلى حرب عالمية إذا لم تزل الألغام ويفتح المضيق لعبور الناقلات.
غلطة ترامب الثالثة أنه لم يحسب حسابًا لدول الخليج العربية، حين اتخذ قرار العدوان دون استشارتها وسماع رأيها، فوجود القواعد الأمريكية بهذه الدول، جعل أراضيها هدفًا لصواريخ إيران، التي تدمر كل وجود أمريكي في المنطقة، مما أشعر قادة هذه الدول أن ترامب لا تهمه سلامة بلادهم، وأن قواعد أمريكا بها هي لحماية أمن الكيان العنصري وليس حمايتهم، وزاد من هذا الشعور محاولة الأمريكان جر دول الخليج وجيوشها للحرب مع إيران، مع ما يعنيه هذا من مخاطر على شعوبها وأرضها وأمنها، ويجعلها تفكر في مصير هذه القواعد وعدم السماح باستمرارها بعد الحرب.
رابع غلطاته عدم تقديره قبل الحرب لخسائره المحتملة، والتي وصلت حتى لحظة كتابة هذه السطور لمئات المليارات، ما بين خسائر عسكرية مباشرة مثل تدمير القواعد الأمريكية وفقد طائرات وخسائر في الأرواح، وأيضا الردارات الضخمة ووسائل الاتصال بين قواته، وخسائر اقتصادية تشمل ارتفاع التضخم وضخمة التكلفة اليومية للحرب، والتي تجاوزت على أقل تقدير مليار دولار يوميًا.
خامس غلطاته أنه بخديعة المفاوضات قبل الحرب، ثم باغتيال المرشد علي خامنئي، وقصف مواقع مدنية مثل مدرسة البنات، أثبت للإيرانيين أن أمريكا لا تحترم كلمتها، وأن أي كلام عن مفاوضات سلام لا نية صادقة فيه، وإنما هو لكسب الوقت، وتعويض الأسلحة والردارات التي فقدها، وقادة إيران قد استعدوا لهذا الغدر، وخزنوا ما يكفي من الصواريخ والمسيرات، لاستمرار الحرب لأسابيع وشهور تستنزف خلالها أسلحة أمريكا وبالتالي أسلحة الصهاينة، بما يفقدهما القدر على مواصلة العدوان، بخاصة مع تصاعد الإدانات الدولية، ودخول تقنيات الصين وروسيا الحديثة في المعارك لصالح إيران، وعزوف دول أوروبا عن المشاركة في عدوان حدث دون استشارتها، ودفعت ثمنًا باهظًا له من اقتصادياتها رغمًا عنها.
إن ترامب في موقف صعب، فليس أمامه اليوم سوى البحث عن مخرج، من المأزق الذي أوقعه فيه نتنياهو، وبأقل خسائر الممكنة بما يستر ماء وجهه أمام شعبه، كيلا يكون مصيره مثل إيدن وموليه، اللذين أسقطهما عدوانهم على مصر 1956م، وكان فشلها إرهاصة بانتهاء هيمنة بريطانيا وفرنسا على المنطقة العربية.