بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

موجة غلاء غير مسبوقة

ﻧﻴﺮان الحرب تمتد لجيوب المصريين

بوابة الوفد الإلكترونية

اللحوم والدواجن تفوق قدرات ملايين الأسر.. والخضراوات عبء كبير عليهم

زيادة أسعار المحروقات تزيد «الطين بلة»

مواطنون.. الأسعار لم تعد تُحتمل والأطفال أولى الضحايا

تجار.. زيادة الطلب والاستغلال وراء ارتفاع الأسعار

خبير إنتاج حيواني: 60% من الأعلاف مستوردة وارتفاع الدولار يزيد الأزمة

 

شهدت الأسواق المصرية خلال الأيام الماضية موجة جديدة من ارتفاع الأسعار، خاصة فى اللحوم والدواجن وبعض السلع الغذائية، وذلك بالتزامن مع اندلاع الحرب فى المنطقة وما صاحبها من حالة قلق فى الأسواق وزيادة الإقبال على الشراء، وأسهم قرار رفع أسعار المحروقات فى زيادة الأسعار أكثر مما هى عليه، ورغم أن بعض التجار ربطوا الزيادة بالأحداث الجارية، يرى خبراء أن جزءًا كبيرًا من ارتفاع الأسعار يرجع إلى عوامل أخرى، مثل زيادة الطلب خلال شهر رمضان، واستغلال بعض التجار الأمر لرفع الأسعار، إلى جانب مشكلات الإنتاج فى بعض القطاعات مثل نفوق الدواجن فى المزارع.

وخلال جولة داخل عدد من الأسواق، رصدنا شكاوى المواطنين من الارتفاع الملحوظ فى أسعار اللحوم والدواجن والبيض ومنتجات الألبان والخضراوات والفواكه وكل المنتجات تقريبا، مؤكدين أن توفير البروتين أصبح عبئًا متزايدًا على الأسرة المصرية، خاصة فى ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة.

وبين شكاوى المواطنين وتفسيرات التجار والخبراء لأسباب الزيادة، يبقى القلق الأكبر لدى كثير من الأسر من استمرار موجة الغلاء خلال الفترة المقبلة، خاصة بعد قرار زيادة أسعار البنزين، وهو ما قد يؤدى إلى ارتفاع تكاليف النقل والتوزيع، وبالتالى زيادة جديدة فى أسعار السلع الغذائية، لتزداد الضغوط الاقتصادية على المواطنين.

«الأسعار لم تعد تُحتمل»

اشتكى عدد كبير من المواطنين من الارتفاع المتواصل فى أسعار اللحوم والدواجن، مؤكدين أن الكميات التى كانت تكفى الأسرة لم تعد متاحة كما كانت من قبل بسبب الغلاء، وتقول نوال الكمية التى كنت أشتريها من اللحوم أصبحت أقل بكثير من السابق، موضحة أن الأسعار أصبحت مرهقة للغاية للأسر البسيطة. وأضافت «الأسعار بقت نار ومفيش حد قادر يلاحق الغلاء».

أما أم عمر، وهى أم لطفلين فى مرحلة النمو، فأكدت أن أسعار اللحوم فى منطقة حدائق الأهرام وصلت إلى ما بين 450 و500 جنيه للكيلو، بينما وصل سعر كيلو الفراخ إلى نحو 120 جنيهًا، والبانيه إلى قرابة 300 جنيه. وأضافت أن المشكلة لا تقتصر على اللحوم فقط، بل تمتد إلى أسعار البيض والألبان أيضًا، قائلة «نعمل إيه الأطفال محتاجين بروتين علشان صحتهم، واللحمة غالية والفراخ غالية والبيض ومنتجات الألبان»

ويقول محمد عبد الله، موظف وأب لثلاثة أطفال، إن شراء اللحوم أصبح نادرا، بعدما كان عنصرًا أساسيًا فى وجبات الأسرة الأسبوعية، مضيفًا أن الارتفاعات المتتالية جعلت كثيرًا من الأسر تقلل استهلاكها بشكل كبير. وأضاف «زمان كنا بنجيب لحمة مرة أو مرتين فى الأسبوع، دلوقتى بقت مرة فى الشهر بالعافية، وحتى الفراخ بقت غالية قوى.

تجار.. الإقبال والاستغلال وراء ارتفاع الأسعار

قال الحاج أسامة الجزار، أحد تجار الماشية، إن أسعار العجول شهدت ارتفاعًا ملحوظًا مؤخرًا بسبب زيادة الطلب عليها. وأوضح أن سعر العجل الجاموسى كان قبل رمضان يتراوح بين 140 و150 ألف جنيه، بينما وصل حاليًا إلى ما بين 150 و160 ألف جنيه، كما ارتفع سعر العجل البقرى من نحو 170–180 ألف جنيه إلى ما بين 180 و190 ألف جنيه. وأضاف أن زيادة الإقبال على شراء اللحوم أسهمت فى ارتفاع الأسعار، إلى جانب استغلال بعض التجار للأوضاع ورفع الأسعار بشكل مبالغ فيه.

وأشار إلى أن بعض التجار استغلوا الحديث عن الحرب فى المنطقة ورفعوا أسعار العديد من السلع دون مبرر حقيقى، موضحًا أن حتى الأكياس البلاستيكية ارتفع سعرها خلال يومين فقط من 90 جنيهًا إلى نحو 120 جنيهًا. وأكد أن السوق يشهد إقبالًا كبيرًا على شراء اللحوم، وهو ما يسهم أيضًا فى ارتفاع الأسعار.

نفوق الدواجن يزيد الأزمة

أما بالنسبة لأسعار الدواجن، فأكدت الحاجة أم عمرو، صاحبة محل دواجن فى قرية بالجيزة، أن السبب الرئيسى فى ارتفاع الأسعار هو نفوق عدد كبير من الدواجن داخل المزارع، ما يؤدى إلى خسائر كبيرة للمربين ويقلل المعروض فى الأسواق. وأوضحت أن الدواجن تمر بعدة مراحل قبل وصولها إلى المحلات، بدءًا من المزرعة ثم النقل والتوزيع، وأى خسائر تحدث فى هذه المراحل تنعكس بشكل مباشر على الأسعار.

وأضافت أن أصحاب المحلات لا يحققون أرباحًا كبيرة كما يعتقد البعض، لأن حركة البيع ضعيفة بسبب الغلاء، قائلة إن كثيرًا من الزبائن أصبحوا يشترون كميات أقل من السابق، ورغم ظروفها الصحية الصعبة، تقول الحاجة أم على إنها مضطرة للعمل يوميًا، حيث تعانى الروماتويد وآلاما فى يديها، ومع ذلك لا تستطيع التوقف عن العمل لأنها تعتمد على هذا المحل فى توفير مصاريف المعيشة والعلاج.

وأكدت حديثها أم محمد، وهى من صغار مربى الدواجن، مشيرة إلى أنها اضطرت إلى التوقف تمامًا عن تربية الدواجن بعد تعرضها لخسائر كبيرة بسبب نفوق عدد من الطيور وارتفاع تكاليف التربية، وقالت إن تربية الدواجن كانت مصدر رزقها الأساسى لسنوات طويلة، لكنها لم تعد قادرة على تحمل المخاطر فى ظل ارتفاع أسعار الأعلاف والظروف الصعبة التى يمر بها القطاع.

وأضافت أن كثيرًا من صغار المربين خرجوا بالفعل من السوق خلال الفترة الأخيرة، لأن الخسائر أصبحت أكبر من القدرة على التحمل، وهو ما قد يؤدى إلى تقليل المعروض من الدواجن فى الأسواق مستقبلاً.

نقيب الفلاحين.. زيادة موسمية وليست بسبب الحرب

من جانبه، قال حسين أبو صدام، نقيب الفلاحين، إن الحديث عن ارتفاع أسعار اللحوم يجب أن يفرق بين سعر العجول الحية وسعر اللحوم بعد الذبح، وأوضح أن سعر كيلو العجول البقرى القائم كان نحو 180 جنيهًا وارتفع إلى 200 جنيه، مشيرًا إلى أن هذه الزيادة كانت متوقعة مع اقتراب موسم عيد الأضحى، حيث يزيد الطلب على شراء العجول وتربيتها، ما يؤدى إلى سحب أعداد كبيرة منها من الأسواق.

وأضاف أن البعض يربط بين ارتفاع الأسعار والحرب الدائرة فى المنطقة، لكن هذا الربط غير دقيق، لأن دورة تربية العجول تمتد من سنة إلى سنتين، وبالتالى لا يمكن أن تؤثر أحداث وقعت منذ أيام قليلة على الأسعار بشكل مباشر.

وأكد أن السعر الطبيعى للحوم المذبوحة يتراوح ما بين 350 و450 جنيهًا للكيلو، لافتًا إلى أن بعض التجار يبيعون بأسعار أعلى من المفترض، مستغلين حالة القلق لدى المواطنين.

وأشار إلى أن الحديث عن تأثير الحرب على الأسعار فى الوقت الحالى قد يثير حالة من الفزع بين الناس، موضحًا أن الزيادات الحالية مرتبطة فى الأساس بعوامل موسمية وليست نتيجة الأحداث السياسية.

الطماطم.. نهاية العروة وارتفاع مؤقت

وتطرق نقيب الفلاحين إلى ارتفاع أسعار الطماطم خلال الفترة الأخيرة، مؤكدًا أن مصر تعد من أكبر الدول المنتجة للطماطم فى العالم، حيث يصل حجم الإنتاج إلى نحو 6 ملايين طن سنويًا، موضحا أن الكميات التى يتم تصديرها لا تتجاوز 150 ألف طن فقط، ما يعنى أن أغلب الإنتاج يذهب للسوق المحلى، وبالتالى لا توجد أزمة حقيقية فى المعروض.

وأشار إلى أن ارتفاع الأسعار فى الوقت الحالى يرجع إلى نهاية العروة الشتوية، فى الوقت الذى لم تظهر فيه بعد العروة الصيفية بشكل كامل، إضافة إلى تأثير موجات البرودة الأخيرة على الإنتاج. وأضاف أن الطماطم المتوفرة حاليًا ليست فى أفضل حالاتها لأن هذا ليس موسمها الطبيعى، متوقعًا أن تتحسن الجودة وتنخفض الأسعار خلال نحو شهر مع دخول الإنتاج الجديد للأسواق.

الأعلاف المستوردة وتكاليف الإنتاج

قال الدكتور حمدى الحبشى، خبير بقطاع الثروة الحيوانية والداجنة، إن مصر تعانى فى الفترة الأخيرة ارتفاعا كبيرا فى أسعار اللحوم الحمراء والبيضاء، بل امتد الغلاء إلى معظم مصادر البروتين، سواء بيض المائدة أو البقوليات، فقد وصل سعر كيلو اللحم الأحمر إلى نحو 450 جنيهًا، وكيلو الدواجن البيضاء إلى 135 جنيهًا، وسعر البيضة إلى نحو 6 جنيهات، بينما بلغ سعر كيلو الفول 45 جنيهًا والفاصوليا نحو 100 جنيه، فى ظل استمرار الزيادة دون وجود سيطرة حقيقية على الأسعار.

وأوضح أن من أهم أسباب هذه الأزمة اعتماد الدولة بشكل كبير على استيراد الأعلاف، وعدم التوسع فى إنتاجها محليًا، ما أدى إلى ارتفاع أسعارها وزيادة تكلفة الإنتاج، حيث تمثل الأعلاف نحو 80% من تكلفة إنتاج الماشية، وحوالى 65% من تكلفة إنتاج الدواجن، وتستهلك مصر سنويًا نحو 24 مليون طن من الأعلاف المركزة، فى حين لا يتجاوز الإنتاج المحلى من الذرة نحو 7 ملايين طن، وحوالى 85 ألف طن من فول الصويا، بينما يتم استيراد نحو 5 ملايين طن من الذرة و3 ملايين طن من فول الصويا سنويًا، ما يعنى أن نحو 60% من احتياجات الأعلاف يتم استيرادها من الخارج.

وأشار الحبشى إلى أن حجم الثروة الحيوانية والداجنة فى مصر لا يزال غير كافٍ لتلبية احتياجات السوق المحلى بأسعار مناسبة، فإجمالى الثروة الحيوانية يبلغ نحو 7.5 مليون رأس ماشية، يتم ذبح نحو 2.5 مليون رأس منها سنويًا، بإجمالى إنتاج يقارب 470 ألف طن من اللحوم الحمراء، وهو ما يغطى نحو 30% فقط من الاستهلاك المحلى، بينما يتم استيراد باقى الاحتياجات، أما قطاع الدواجن فينتج نحو 1.4 مليار طائر سنويًا، بإجمالى استهلاك يصل إلى نحو 2.16 مليون طن سنويًا، ما يغطى قرابة 95% من احتياجات السوق.

وأضاف أن ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج الزراعى، مثل الأسمدة والتقاوى والعمالة والوقود، يمثل عاملًا آخر فى زيادة التكاليف، إلى جانب اعتماد المربين على الأدوية المستوردة، حيث إن نحو 70% من الأدوية المستخدمة فى مزارع الدواجن مستوردة. كما أن تراجع قيمة الجنيه وارتفاع الدولار واليورو أسهما فى زيادة أسعار الأعلاف والمنتجات المرتبطة بالاستيراد.

وأكد خبير الثروة الحيوانية والداجنة، أن ضعف الخبرة لدى نسبة كبيرة من صغار المربين يمثل أحد الأسباب الجوهرية للأزمة، حيث لا تتوافر فى كثير من المزارع اشتراطات الأمان الحيوى أو الإدارة العلمية السليمة للتربية، سواء فى مزارع الدواجن أو حظائر الماشية، ما يؤدى إلى انخفاض الإنتاجية وارتفاع الخسائر.

واقترح الحبشى عدة حلول لمواجهة الأزمة، من بينها التوسع فى إنشاء مزارع متخصصة للإنتاج الحيوانى والداجنى بمشاركة الدولة والمواطنين، وإسناد إدارتها إلى كليات الزراعة والطب البيطرى والجهات المتخصصة، مع التوسع فى زراعة محاصيل الأعلاف بالأراضى الجديدة.

كما شدد على أهمية نشر التوعية الزراعية بين المربين من خلال الجمعيات الزراعية والبرامج الإعلامية، لتدريبهم على أساليب التربية الحديثة وبدائل الأعلاف، بما يسهم فى خفض التكاليف وزيادة الإنتاج وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار فى أسعار اللحوم.