بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

رمضان فرصة للتوبة والاستقامة.. اغتنم العشر الأواخر

العشر الأواخر من
العشر الأواخر من رمضان

من المقرر شرعًا أن رمضان هو أعظم أبواب الرحمة الإلهية، فلو تُصورنا أننا خُلقنا دون أن يكون باب التوبة مفتوح دائمًا لهلكنا جميعًا إلا من عصم الله، والتوبة هي عودة العبد الصادقة إلى الله تعالى بالندم والإقلاع عن الذنب، وقد جاء التأكيد عليها في القرآن والسنة، وأجمع العلماء على وجوبها.


التوبة في القرآن الكريم خلال شهر رمضان المبارك

وردت مادة تاب بمشتقاتها في (١٠٨) مواضعَ منها ما يتحدث عن توبة الله على عبيده التائبين، وقبوله لتوبتهم، أو عدم قبوله، وتوفيقه لهم في التوبة، ووصفه بكونه كثير التوب عنهم، ومن ذلك قوله جل شأنه: ﴿فَتَلَقَّىٰۤ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتࣲ فَتَابَ عَلَیۡهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِیمُ﴾ [البقرة: ٣٧]، ﴿ذَٰلِكُمۡ خَیۡرࣱ لَّكُمۡ عِندَ بَارِئِكُمۡ فَتَابَ عَلَیۡكُمۡۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِیمُ﴾ [البقرة: ٥٤]، ﴿فَمَن تَابَ مِنۢ بَعۡدِ ظُلۡمِهِۦ وَأَصۡلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ یَتُوبُ عَلَیۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورࣱ رَّحِیمٌ﴾ [المائدة: ٣٩]، ومنها ما جاء في الأمر بالتوبة والحث عليها، وبيان زمنها، وما يقبل منها في عدة مواضع، كقوله تعالى: ﴿أَنَّهُۥ مَنۡ عَمِلَ مِنكُمۡ سُوۤءَۢا بِجَهَٰلَةࣲ ثُمَّ تَابَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَصۡلَحَ فَأَنَّهُۥ غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ﴾ [الأنعام: ٥٤]، ﴿وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَٰلِحࣰا فَإِنَّهُۥ یَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابࣰا﴾ [الفرقان: ٧١]، ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ تُوبُوۤا۟ إِلَى ٱللَّهِ تَوۡبَةࣰ نَّصُوحًا﴾ [التحريم: ٨]، والتوبة معاملة الحق لضعف الخلق، وهي مقبولة من العبد ما لم يغرغر، أو تطلع الشمس من مغربها.


التوبة في السنة النبوية خلال شهر رمضان المبارك

رغب سيد المرسلين وإمام المتقين صلوات الله وسلامه عليه أمته المرحومة وحثهم بلسان الحال والمقال على ملازمة الإنابة وطلب المغفرة، حيث قال ﷺ: «وَاللهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً» [البخاري (٦٣٠٧)]، وفي رواية: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، تُوبُوا إِلَى اللهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ، فَإِنِّي أَتُوبُ فِي اليَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ» [مسلم (٢٧٠٢)]، وفي هذا تحريض للأمة على التوبة والاستغفار فإنه ﷺ مع كونه معصومًا، وكونه خير الخلائق يستغفر ويتوب سبعين مرة، واستغفاره ﷺ لأنه كان دائم الترقي في الدرجات العلى، فكلما ارتقى درجة يرى تقصيرًا يستوجب الاستغفار، أو أنه صلوات الله وسلامه عليه يكثر من الاستغفار لأنه من الذكر الذي يحبه الله سبحانه وتعالى فيستغفر ليزداد قربًا، ولأن نعم الله عز وجل عليه عظيمة فيستغفر؛ لأنه يرى حقيقة أن العبد لن يستطيع توفية حق هذه النعم.

منزلة التائب عند الله عز وجل:
الحق سبحانه وتعالى وهو الغني عن عباده يفرح بتوبة عبده، ويخبرنا رسول الله ﷺ عن هذه المنزلة فيقول: «اللهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ سَقَطَ عَلَى بَعِيرِهِ وَقَدْ أَضَلَّهُ فِي أَرْضِ فَلاةٍ» [البخاري (٦٣٠٩)، ومسلم (٢٧٤٧)]، وعن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ قال: «إنَّ اللهَ تَعَالَى يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» [مسلم (٢٧٥٩)]، وفسر العلماء بسط اليد بالطلب، أو هو عبارة عن الجود والتنزه عن المنع، أو عن رحمة الله وكثرة تجاوزه عن الذنوب، أو هو مثل يُفهم منه قبول التوبة واستدامة اللطف والرحمة، وهو تنزل عن مقتضى الغني القاهر إلى مقتضى اللطيف الرؤوف الغافر، أو البسط كناية عن قبول التوبة [دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين ١/‏٩٩]، وغيرها من الأحاديث الكثيرة الواردة في فضل الاستغفار والتوبة.

لذلك ينبغي علينا تصحيح النظرة إلى التائب فهم أرق قلوبا، وكانت نظرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن الجلوس إليهم سبب في ترقيق القلب، فيقول: "اجلسوا إلى التوابين فإنهم أرقُ أفئدةً" [الزهد والرقائق - ابن المبارك - ت الأعظمي ١/‏٤٢].

والتوبة في رمضان ليست مجرد لفظ، بل هي ضرورة دنيوية لصلاح المجتمع وأخروية لتحصيل السعادة، وهي تبدأ بالندم الفوري على الذنوب، وتترقى لتطهير القلب من الغفلات، وتنتهي بالانقطاع التام إلى الله.