تأملات
قواعد الجيرة فى أزمة «فارس» و«عربى»!
حينما قابلته بدا لى وكأن الدنيا تكالبت عليه ونالت منه.. يكاد أن يتميّز من الغيظ والشعور بالقهر وخيبة الأمل. عندما رحت أهون عليه كان كمن استقر على شاطئ بعد طول رحلة من التيه. مع بدء حكيه شعرت أنه أثقل على نفسه كثيرًا.
ذكر لى صديقى فارس أنه وهو على عتبة الثمانية والأربعين عامًا من عمره لا يملأ عقله سوى ذكرياته عن بيت العائلة الذى نشأ فيه فى تلك الضاحية النائية من القاهرة التى كانت قِبلة الجميع فى نهاية الستينيات وأوائل السبعينيات. وكيف أن والده حرص على شراء قطعة ارض ليقيم عليها بيتًا رحبًا لأولاده وكيف نشأت علاقات متميزة مع الجيران كان منهم عربى الذى شب معه على الحلوة والمرة واستطاعا أن يكونا معًا مخزون ذكريات لا ينضب.
توارث الشابان من أسرتيهما مسكن الزوجية كل فى بيت والده فزاد ذلك من عمق الروابط الطيبة بينهما إلى أن كان ما كان من دخول طرف ثالث أفسد ما بينهما من تاريخ طويل فى الود وعشرة العمر الطيبة التى لا تتكرر. فقد استضاف عربى قريبًا له من بعيد ومن فرط قربه مع فارس أراد أن يوسع دائرة التعارف والصداقة. ومع تكرار زيارات هذا القريب بدأت مرحلة جديدة من الحساسيات تفرض نفسها على وقع ما لمسه فارس من تحرش الضيف بزوجته. كان يمنّى نفسه بألا يتجاوز الأمر مجرد تخيلات أو أوهام، ولكن الواقع الثقيل فرض نفسه عليه عندما راحت زوجته تفاتحه وتيبح له بما تشعر به وأكد له صحة ملاحظته. لقد زادت زيارات الضيف الثقيل لجاره من أجل تحقيق غرضه وتجاوز الأمر المحاولات الخفية ليصبح الأمر ملحوظًا من الجميع.
حرصًا على علاقته بصديق عمره راح فارس يفاتحه فى ضرورة توقف قريبه عن زياراته، بذل كل ما يمكنه لكى يمنع ذلك الضيف مضايقته أو التربص بأهل أسرته. ولكنه ولأن للسخافة والوقاحة عنوانًا كما يقولون فإن الضيف لم يابه وراح يمارس مضايقاته من بعد حيث تطل حديقتا المنزلين على بعضهما البعض. بدا عربى فى حالة من التمزق فهو لا يستطيع أن يمنع ضيفه من زياراته ويشعر بحالة القلق والضيق التى يلمسها لدى جاره. وصل تأزم الموقف لحد طلب فارس أن يوقف عربى استضافته لذلك الضيف حرصًا على علاقتهما التاريخية وحتى لا يتيح فرصة لآخرين أن يفسدوها.
حالة الضعف والتردد التى لازمت الجار وفجاجة الضيف انتهت إلى ما لا يحمد عقباه حين بدأ الأخير يتخلى عن برقع الحياء ويقوم بممارسات سافرة فى الإساءة إلى أهل فارس دون خجل أو وجل. ذكر لى صديقى أن الأمر وصل ذات مرة حد التلاسن بالكلمات وزاد من سوء الموقف عدم قيام المضيف بأى إجراء للتخفيف من حدة الموقف. كانت القشة التى قصمت ظهر البعير حينما راح الضيف ثقيل الظل يمارس سخافاته وتوجيه أفظع الشتائم لصديقى من شرفة منزل الجار وصلت لحد استخدام مسدس أطلق منه عيارًا ناريًا على أهل بيته. جن جنونه وأرسل فى طلب النجدة ودون أن يدرى أحضر عصا غليظة وتوجه بها إليه ليهوى به على رأسه ليخر الضيف فاقد الوعى.
بعيدًا عن تحقيقات الشرطة والنيابة وفى انتظار تقرير الطبيب الشرعى يسألنى صديقى هل أخطأت؟ المشكلة أن الانقسام فى الرأى سيد الموقف على مستوى الأسرتين وعلى مستوى الشارع الذى يقيم فيه. لم أتوانَ عن تأكيدى له أن الحق واضح جلى وأن موقفه لا يمكن إدراجه سوى فى خانة الدفاع عن النفس.. فليت قومى يعلمون!.