انتصار لم يكتمل وحرب بلا نهاية واضحة
«ترامب» يربك العالم بتصريحات متناقضة
قدم الرئيس الأمريكى دونالد ترامب صورة ضبابية ومتناقضة عن مسار الحرب التى تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، فى لحظة توصف بأنها من أخطر لحظات ولايتيه الرئاسيتين، حيث عجز خلال مؤتمر صحفى مطول عن تقديم إجابة واضحة حول مدة استمرار العمليات العسكرية أو الهدف النهائى للحملة.
وجاءت تصريحات «ترامب» بينما ظلت أسعار النفط العالمية تتقلب فوق مستوى 100 دولار للبرميل طوال يوم الاثنين، فى ظل مخاوف متزايدة من اتساع الصراع إلى مواجهة إقليمية أوسع قد تهدد استقرار أسواق الطاقة العالمية وتدفع الاقتصاد الدولى نحو مرحلة جديدة من الاضطراب.
وظهر «ترامب» فى منتجع دورال بولاية فلوريدا فى محاولة لطمأنة الحلفاء القلقين فى الشرق الأوسط وتهدئة الأسواق العالمية، مؤكدا أنه يمتلك رؤية واضحة لإنهاء ما يعد أكبر تدخل عسكرى أمريكى فى المنطقة منذ حرب العراق. غير أن المؤتمر الصحفى الذى استمر نحو 35 دقيقة لم يقدم أى إشارات حاسمة بشأن تلك الرؤية.
وخلال حديثه تجنب «ترامب» الخوض فى تفاصيل الاستراتيجية العسكرية المقبلة، مكتفيا بالتأكيد على حجم الدمار الذى ألحقته القوات الأمريكية بالقدرات العسكرية الإيرانية. ومع ذلك فإن تصريحاته المتفرقة عززت الشكوك حول غياب خطة واضحة للمرحلة التالية من الحرب.
وكان «ترامب» قد قال فى اتصال هاتفى مع شبكة سى بى إس إن الحرب «تكاد تكون منتهية»، وهو تصريح أثار توقعات بأن واشنطن ربما تستعد لتقليص قواتها. لكن عندما سئل خلال المؤتمر الصحفى عما إذا كان ذلك يعنى إمكانية انتهاء الحرب خلال هذا الأسبوع، تراجع قائلا إن ذلك لن يحدث فورا، مضيفا «لا لكن قريبا. أعتقد قريبا جدا».
حاول الصحفيون دفعه لتوضيح التناقض بين تصريحاته وتصريحات وزير الدفاع الذى وصف العمليات بأنها مجرد بداية. وعندما سئل أى الروايتين أدق، أجاب «ترامب» قائلا إن كلا الوصفين قد يكون صحيحا فى الوقت نفسه.
وأضاف بعد ذلك أن العمليات الحالية قد تمثل بداية «بناء دولة جديدة»، وهو تصريح بدا متعارضا مع مواقف سابقة للإدارة الأميركية كانت قد استبعدت تماما فكرة الدخول فى مشروع لإعادة بناء الدولة فى إيران. بحسب تحليل الجارديان البريطانية.
ومع مرور الأيام بدا أن رؤية «ترامب» تجاه إيران تتغير باستمرار، إذ تشير التقارير إلى أن تصريحاته حول أهداف الحرب تختلف من مقابلة إعلامية إلى أخرى خلال الأيام العشرة الماضية.
وفى خطاب ألقاه أمام حلفائه الجمهوريين قبل المؤتمر الصحفى، قدم «ترامب» صياغة أكثر إثارة للارتباك عندما قال إن الولايات المتحدة حققت بالفعل انتصارا فى الحرب، لكنه أضاف أن هذا الانتصار «ليس كافيا بعد». وقال «ترامب» «يمكننا أن نصف ما حدث بأنه نجاح هائل الآن أو يمكننا أن نذهب أبعد من ذلك»، قبل أن يضيف «وسنذهب أبعد».
وتابع قائلا «لقد انتصرنا بطرق عديدة، لكننا لم ننتصر بما فيه الكفاية».
وفتحت هذه التصريحات الباب أمام انتقادات حادة من قبل الديمقراطيين الذين اعتبروا أن أهداف الإدارة الأمريكية فى الصراع مع إيران غير واضحة أو ربما غير موجودة أصلا.
وقال زعيم الأغلبية الديمقراطية فى مجلس الشيوخ تشاك شومر إن المؤتمر الصحفى لـ«ترامب» يمكن تلخيصه بكلمة واحدة هى «الارتباك»، مضيفا أنه لا يستطيع شرح خطة أو رؤية لأنه ببساطة لا يملك خطة واضحة.
وكتب شومر أن «ترامب» «لا يستطيع حتى أن يقرر ما إذا كانت الولايات المتحدة فى حالة حرب أم لا»، محذرا من أنه يخاطر بالاقتصاد العالمى وبحياة ملايين الأشخاص بناء على قرارات وصفها بأنها ارتجالية.
التناقضات لم تقتصر على الملف العسكرى فقط، بل امتدت إلى السياسة الاقتصادية المرتبطة بالحرب. فقد أعلن «ترامب» أنه قد يخفف العقوبات المفروضة على بعض الدول فى ما يتعلق بمبيعات النفط، فى محاولة لتهدئة الأسواق العالمية التى شهدت قفزات كبيرة فى الأسعار.
ويمثل هذا الموقف تراجعا واضحا عن سياسة سابقة اعتمدتها الإدارة الأمريكية تقوم على تشديد الضغط الاقتصادى على صادرات النفط الروسية فى إطار الحرب المرتبطة بأوكرانيا.
بل إن «ترامب» ذهب أبعد من ذلك عندما لمح إلى احتمال عدم إعادة فرض تلك العقوبات مستقبلا حتى بعد استقرار الأسواق، قائلا إن الوضع قد يتغير إذا تحقق قدر كاف من السلام فى العالم.
غير أن اللحظة الأكثر إثارة للجدل خلال المؤتمر الصحفى جاءت عندما تحدث «ترامب» عن الهجوم الذى استهدف مدرسة للبنات فى مدينة ميناب الإيرانية، والذى أدى إلى مقتل أكثر من 168 شخصا معظمهم من الأطفال.
وخلال حديثه لمح «ترامب» إلى أن إيران ربما حصلت بطريقة ما على صاروخ من طراز توماهوك واستخدمته لقصف المدرسة، فى محاولة للإيحاء بأن الهجوم ربما لم يكن نتيجة ضربة أمريكية.
عندما سأله الصحفيون عما إذا كانت الولايات المتحدة تتحمل أى مسؤولية عن الهجوم الذى وقع قبل وقت قصير من استهداف قاعدة بحرية إيرانية قريبة من الموقع، رد «ترامب» قائلا إن صواريخ توماهوك تستخدمها دول كثيرة، مضيفا أن إيران تمتلك أيضا بعضا منها.
وقال أحد المراسلين إنه يوحى بأن إيران ربما قصفت مدرستها الابتدائية فى اليوم الأول من الحرب باستخدام صاروخ توماهوك، متسائلا لماذا لا يكرر أى مسؤول آخر داخل الإدارة هذه الرواية.
ورد «ترامب» قائلا إنه لا يملك معلومات كافية عن الحادث، مضيفا أن القضية لا تزال قيد التحقيق وأن ما ذكره مجرد معلومات أولية قيل له إنها تخضع للدراسة.