"المحليات الغائبة حين يتحرك الجهاز التنفيذي فقط بزيارة المحافظ"
بين السطور
في كل مرة يُعلن فيها عن زيارة السيد
المحافظ إلى حي أو قرية، يتكرر المشهد ذاته تتحرك الأجهزة التنفيذية بسرعة غير معتادة فتبدأ حملات النظافة ورفع الإشغالات،وتُدهن الأرصفة، وتُرتب الشوارع وكأن البلدة تستعد لحدث استثنائي فجأة يصبح الانضباط عنوان المرحلة،ويتسابق الموظفون والمسؤولون في الهيئات الحكومية المختلفة لإظهار أفضل صورة ممكنة أمام المحافظ.
وفي الوقت نفسه نرى بعض الموظفين يهرعون إلى مراجعة الملفات، وتحصيل الإيصالات وإنهاء المعاملات المتراكمة للمواطنين، فقط خشية أن يمر المحافظ على المكاتب فيجد تقصيراً في العمل فيتعرض أحدهم إلى لفت نظر أو مساءلة إدارية.
هذا المشهد المتكرر يعيد إلى الأذهان المثل الشعبي القديم "إن غاب القط العب يا فار". فالكثير من الموظفين لا يتحركون إلا عند وجود رقابة مباشرة من مسؤول أعلى بينما في الأيام العادية قد تغيب المتابعة الحقيقية ويظل المواطن يعاني من الروتين والتعطيل.
المشكلة هنا ليست في زيارة المحافظ، فهي خطوة مهمة للاطلاع على أحوال الشارع ومتابعة الخدمات، لكنها تكشف في الوقت نفسه خللاً أكبر يتمثل في غياب الرقابة اليومية على أداء المؤسسات الحكومية.
فبعض الموظفين يتعامل مع موقعه الوظيفي وكأنه "عزبة خاصة" يتصرف فيها كما يشاء ويوجه خدماتها أحياناً لمصالحه أو مصالح المقربين منه في ظل ضعف المساءلة.
ومن هنا يظهر الدور الغائب للمجالس المحلية فغياب هذه المجالس لسنوات طويلة خلق فراغاً رقابياً حقيقياً على مستوى القرى والأحياء، وأضعف آلية المتابعة الشعبية لأداء الجهاز التنفيذي.
فالمجالس المحلية ليست مجرد تشكيل إداري بل هي حلقة الوصل بين المواطن والدولة، والجهة التي تمارس الرقابة على أداء الوحدات المحلية والهيئات الخدمية داخل القرى والمدن وجودها يعني رقابة مستمرة، لا تنتظر زيارة محافظ أو جولة مفاجئة لمسؤول.
إن عودة المجالس المحلية المنتخبة وتفعيل دورها الرقابي أصبح ضرورة ملحة، ليس فقط لضبط الأداء داخل المؤسسات الحكومية بل أيضاً لضمان وصول صوت المواطن ومشكلاته إلى مراكز اتخاذ القرار.
فالدولة القوية لا تقوم على الرقابة الموسمية بل على نظام مؤسسي دائم للمحاسبة والمتابعة وعندما يشعر الموظف أن هناك من يراقب أداءه يومياً، وأن المواطن يمتلك قناة شرعية لمساءلته
عندها فقط يتحول الانضباط من مشهد مؤقت قبل زيارة مسؤول إلى ثقافة عمل مستمرة في خدمة الناس.