9 مارس 1919
فى الـ9 من مارس كل عام، تحل علينا ذكرى واحدة من أهم الصفحات المشرقة فى تاريخنا المعاصر، كتبت بأحرف من نور فى ذاكرة مصر والأمة العربية، وهى ذكرى ثورة 1919، بقيادة خالد الذكر سعد باشا زغلول.
لم تكن ثورة المصريين فى هذا التوقيت قبل 107 أعوام حدثاً مهماً فى التاريخ الوطنى لأرض الكنانة فحسب، وإنما شكلت نقطة ارتكاز لهذا التاريخ، تجسد فى نضج الوطنية المصرية فى أبهى صورها، كأمة عريقة ضاربة فى الجذور.
لم تغب عن الأذهان فى هذا اليوم الأغر صورة «عناق الهلال والصليب» جنباً إلى جنب مع هتاف «سعد سعد.. يحيا سعد»، ليمثل أبلغ صور التضامن والوحدة الوطنية ضد الاحتلال.
إن ثورة 1919 بقيادة سعد زغلول واحدة من «أعظم الثورات المصرية»، حيث أثرت فى مجريات الأمور بمحيط مصر العربى، ثم أعقبتها ثورات العشرين فى العراق، والريف المغربى، وسوريا الكبرى.. ومن ثم بدأت رحلة استقلال الأقطار العربية.
فى ثورة 1919 خرجت جميع طوائف الشعب، بمشاركة واسعة من العمال والموظفين والطلبة والفلاحين والمرأة، كما شهدت تلاحماً كبيراً بين جناحى الوطن «مسلمين ومسيحيين»، حيث اعتلى القمص سرجيوس منابر الأزهر الشريف من أجل إلقاء خطبة فى المحتشدين بالجامع، كما أرسل الأزهر عدداً من الشيوخ ليخطبوا فى الكنائس المصرية، ويتصدر المشهد شعار «الدين لله والوطن للجميع».
يجب أن نذكر أبناءنا بإرهاصات الثورة، التى بدأت فى 13 نوفمبر 1918، عندما توجه ثلاثة سياسيين مصريين إلى المعتمد البريطانى «السير ونجت»، وأبدوا رغبتهم فى مقابلته ليتحدثوا عن مستقبل مصر، ومع رفضه حديث سعد زغلول باسم الشعب، بدأ حزب الوفد بتجميع وتوقيع عرائض من الشعب لتفويض «سعد» ورفاقه للحديث باسم المصريين.
لم تستطع سلطات الاحتلال إيقاف حملات التوقيعات، فكان اعتقال سعد ورفاقه (حمد باشا الباسل، ومحمد باشا محمود، وإسماعيل صدقى)، وتم نفيهم إلى مالطة فى 8 مارس 1919، وهى الشرارة التى أشعلت الاحتجاجات، وسرعان ما انتشرت كالنار فى الهشيم، واتسع نطاقها ليشمل كل أقاليم ومدن مصر.
ثم بدأت أحداث الثورة صباح الأحد 9 مارس 1919، بقيام الطلبة بمظاهرات واحتجاجات فى أرجاء القاهرة والإسكندرية والمدن الأخرى، وهتف الجميع بسقوط الحماية البريطانية، لتستمر مظاهرات الطلبة أياماً متتالية، تزامناً مع إضراب العمال والسائقين، وتعطيل جميع المصالح فى البلاد.
أغلقت المحال التجارية والبنوك، ثم إضراب المحامين والقضاة، وعمال السكك الحديدية فى 15 مارس، وفى اليوم التالى شاركت السيدات المصريات فى المظاهرات للمرة الأولى، ثم كانت الثورة فى الأقاليم أكثر حدة، إذ شارك فيها الفلاحون، لتكون بحق ثورة شعبية أصيلة، خرجت من القرى والكفور والنجوع قبل أن تخرج من المدن والبنادر، وانطلقت من الأزقة والشوارع قبل أن تنطلق من الشوارع والميادين الواسعة، لتستحق بجدارة لقب «أم الثورات».