حرب «الخداع» الإيرانية
أهداف وهمية تربك حسابات واشنطن وتل أبيب
كشفت التطورات الميدانية الأخيرة عن فصل جديد من حرب الاستنزاف غير التقليدية بين إيران وإسرائيل، حيث تحولت «ريشة الرسام» إلى سلاح استراتيجى يعيد تشكيل قواعد الاشتباك، فمع التصعيد العسكرى المحتدم بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.
وبرزت مشاهد جديدة تكشف عن معركة من نوع آخر تدور بعيدًا عن صواريخ كروز والطائرات المسيّرة، إنها «حرب الخداع»، فبينما تركز الأنظار على حجم الدمار الذى تخلفه الغارات الجوية، تؤكد معلومات وتصريحات أن طهران تعتمد على تكتيكات منخفضة الكلفة لكنها بالغة الفعالية لإرباك أعدائها تعتمد على المجسمات والرسوم الخادعة.
وصرح الخبير العسكرى الروسى يورى كنوتوف فى تصريحات لوكالة «سبوتنيك»: «أن ما استهدفته غارات القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) وقوات الاحتلال الإسرائيلى كان فى كثير من الحالات «مجسمات ونماذج مقلدة»، مشيرا إلى أن الضربات أصابت رسومًا تحاكى طائرات عمودية ومعدات عسكرية وليست أهدافا حقيقية، وتهدف حرب الخداع الإيرانية لإرباك وتضليل واشنطن وتل أبيب.
واستند فى تصريحه إلى واقعة لافتة كشفت عنها الأيام الأخيرة، عندما نشر الاحتلال الإسرائيلى مقاطع فيديو زعم فيها استهداف مروحية إيرانية من طراز Mi-17 لكن تحليلا دقيقا للمشاهد كشف مفاجأة مدوية؛ فما أصابته الضربة الإسرائيلية لم يكن سوى رسم ثلاثى الأبعاد منقوش على الأسفلت يحاكى شكل المروحية بدقة عالية تجعله يبدو من الجو هدفًا حقيقيًا، ما يؤكد أن الهجوم الذى صوّرته إسرائيل كإنجاز عسكرى استهدف مجرد لوحة مرسومة، فى واحدة من أكثر حوادث الخداع العسكرى إحراجًا لسلاح الجو الإسرائيلى.
وتندرج هذه الواقعة ضمن منظومة تضليل استراتيجية متكاملة تعتمدها إيران لحماية أصولها العسكرية، فإجبار طائرات القوات الإسرائيلية على استهداف مجسمات لا قيمة لها يؤدى إلى استنزاف ذخائر باهظة الثمن، قد تصل تكلفة الصاروخ الواحد منها إلى ملايين الدولارات، كما أن هذه الخدع تهدف إلى كشف مواقع الرادارات وأنظمة الدفاع الجوى المعادية، وإرباك الحسابات الاستخباراتية التى تعتمد على صور الأقمار الصناعية وطائرات الاستطلاع دون القدرة على التمييز بين الحقيقى والمزيف.
اللافت أن تكلفة صناعة هذه المجسمات أو الرسوم منخفضة جدًا مقارنة بحجم الخسائر التى تتكبدها القوات الإسرائيلية، سواء المادية أو المعنوية، ورغم الحديث عن أن إيران قد تلجأ لشراء هذه المعدات من الخارج، إلا أنه لا يوجد أى دليل مؤكد على ذلك، ويبدو أن الاعتماد الأكبر هو على قدرات محلية فى التمويه والخداع البصرى.
ومع تصاعد الأحداث برز دور الحيل الخداعية التى التجأت إليها القوات الإيرانية حرب، ودقة المعلومات الاستخباراتية التى تعتمد عليها القوى الكبرى فى رسم أهدافها، ففى الوقت الذى تعلن فيه إيران عن تدمير طائرات معادية من طراز «MQ-9 Reaper» و»Hermes»، يظهر أن جزءًا من الضربات التى تم توجيهها ذهبت أدراجها فى صحراء إيران مستهدفة أوهامًا.
ويرى محللون عسكريون أن توظيف إيران لهذا الخداع الميدانى يعكس استعدادا ممنهجًا لمواجهة طويلة الأمد، مع تركيز على استنزاف قدرات الخصم قبل أى مواجهة مباشرة، وإن معركة الخداع هذه تؤكد أن الحروب الحديثة لم تعد تحسم بالقوة النارية وحدها، بل باتت المخابرات والقدرات الخداعية عنصرًا حاسمًا فى تحديد مسار الصراع ونتائجه النهائية.
الجدير بالذكر أن هذه التقنية لا تنفرد بها طهران، فقد وظفتها روسيا عام 2023 إبان الحرب فى أوكرانيا لخداع الأقمار الصناعية الأمريكية، ما يؤكد أن الخداع البصرى بات جزءا أساسيا من أدوات الحرب.