العالم بين صخب الحروب وصمت الحسابات
فى لحظات التحول الكبرى من تاريخ العالم، تُقاس قوة الدول بعدد جيوشها وبحجم ترساناتها، إن المشهد الدولى اليوم يبدو متطابقًا؛ فبينما تتصاعد نيران المواجهات فى واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية، يقف العالم وكأنه يراقب من بعيد، تتقدم المدافع على صوت الدبلوماسية، وتسبق حسابات المصالح نداءات الحكمة.
حيث تشهد المنطقة تصعيدًا خطيرًا فى ظل صراع تتصدره إسرائيل والولايات المتحدة فى مواجهة إيران، وهو صراع لا تقتصر تداعياته على أطرافه المباشرين، بل يمتد أثره ليطال استقرار الإقليم بأسره، وربما يتجاوز ذلك ليؤثر فى التوازنات الدولية ذاتها. ومع ذلك، يبدو رد الفعل العالمى بطيئًا ومحدودًا، حذرًا بدون حسم، وكل القوى الكبرى تفضل الانتظار على حافة المشهد بدلًا من الاندفاع إلى قلبه.
هذا الصمت الظاهرى لا يمكن فهمه بعيدًا عن طبيعة النظام الدولى المعاصر، تتحرك الدول وفق حسابات دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن القومى مع المصالح الاقتصادية وشبكات التحالفات المعقدة. فأى قرار عسكرى فى بقعة ما فى الأرض قد يهزّ أسواق الطاقة فى قارات بعيدة، وقد يعيد رسم موازين القوى فى مناطق أخرى من العالم. ولهذا تميل القوى الدولية إلى إدارة الأزمات من خلف الستار، عبر الضغط السياسى والدبلوماسى أو عبر أدوات اقتصادية غير مباشرة، بدلًا من الانخراط فى مواجهات تؤدى إلى صراع أوسع لا يمكن السيطرة على نتائجه.
ومن هنا يظهر المشهد وكأنه تطبيق عملى لما يصفه الناس مجازًا بـ”حكمة جحا”: ما دام الخطر بعيدًا عن حدودنا المباشرة، فليدبر المتصارعون شئونهم بأنفسهم.
إن هذه البراجماتية السياسية، رغم واقعيتها، تطرح تساؤلات عميقة حول مسئولية المجتمع الدولى فى منع الأزمات قبل أن تتحول إلى تهديد واسع للاستقرار العالمى، ومن دروس التاريخ البليغة فى هذا السياق؛ فنادرًا الحروب ما تنتهى عند ذروة التصعيد، بل تنحسر عادةً تحت وطأة كلفتها المتفاقمة. وعندئذٍ فقط تتقدم مسارات التهدئة ويغدو البحث عن التسويات أمرًا لا مفر منه، بعد أن يكون الطريق إليها قد استُوفى بثمن إنسانى وسياسى باهظ.
وفى خضم هذه التحولات المضطربة، تبرز قيمة الاستقرار كأحد أعظم مقومات بقاء الدول واستمرارها. فبينما تعيش مناطق عديدة من العالم حالة من القلق وعدم اليقين، تظل مصر — بفضل الله تعالى — واحة من الأمن والاستقرار فى محيط إقليمى بالغ التعقيد. وهى نعمة لا يمكن اختزالها فى شعور مؤقت بالطمأنينة، بل تمثل ركيزة أساسية لحماية الدولة وصون مقدراتها فى عالم تتزايد فيه التحديات وتتسارع فيه التحولات.
إن الحفاظ على هذا الاستقرار ليس مسئولية المؤسسات وحدها، بل هو مسئولية وطنية مشتركة تتطلب وعيًا جماعيًا بطبيعة اللحظة التاريخية التى يعيشها العالم. فالدول لا تُحمى فقط بحدودها وجيوشها، بل أيضًا بوعى شعوبها وقدرتها على قراءة المشهد الدولى وإدراك المخاطر التى تحيط به.
أخيرًا.. يبقى درس التاريخ حاضرًا؛ إن الحروب قد تصنع انتصارات عابرة، لكنها لا تصنع سلامًا دائمًا.
وأن العالم، مهما طال صخبه، لا يجد طريقه إلى الاستقرار إلا حين تنتصر الحكمة على السلاح، ويعلو صوت العقل فوق ضجيج المدافع.
[email protected]