ضمير_مستتر
إيران ومحاور الظل
ـ لا شيء يحدث فى السياسة الدولية صدفة، خاصة حين يغادر رئيس وزراء دولة كبيرة عاصمةً ما قبل ساعات من اندلاع حرب تشنها تلك العاصمة على دولة داخل الإقليم نفسه!
لذلك، فزيارة رئيس الوزراء الهندى "ناريندرا مودى" إلى تل أبيب، ومغادرته قبل ساعات من الهجوم "الإسرائيلى ـ الأمريكى" على إيران، ليست ـ فى تقديرى ـ مصادفة بروتوكولية عابرة، بل تبدو فصلًا جديدًا فى عملية تشكيل محور استراتيجى اقتصادى ثلاثى يضم واشنطن وتل أبيب ونيودلهى.
ـ فمجمل تطورات المشهد يوحى بأن الزيارة كانت لبحث ملفات الأمن الإقليمى وممرات الطاقة وتوازنات الخليج فى مرحلة ما بعد ايران، أى إعداد المسرح الخلفى للمواجهة المرتقبة مع طهران.
فالهند ـ بموقعها الجغرافى بين الصين وباكستان وبحر العرب، وعلاقاتها المتشابكة مع روسيا، وثقلها الاقتصادى وعلاقاتها المتوازنة مع طهران وبكين وموسكو، والمتوترة فى الوقت ذاته مع اسلام اباد ـ تبدو المرشح الأنسب للقيام بدور “عنصر الاستطلاع السياسى” فى أيام ما قبل الهجوم، وربما توفير نوع من الغطاء أو التأمين غير المعلن أثناءه، أى دور لا يقوم على المشاركة العسكرية المباشرة، بل على تبادل الضمانات والتفاهمات، والمعلومات أيضًا.
ومن هنا أرى أن توقيت زيارة "مودى" أقرب إلى كونها زيارة عمليات تمهيدية جرى خلالها تثبيت تفاهمات تتجاوز المشهد الثنائى بين نيودلهى وتل أبيب، إلى ترتيبات إقليمية أوسع ستتكشف ملامحها تباعًا على الأرض.
ـ يزداد هذا الاحتمال ترجيحًا إذا اخذنا فى الاعتبار انشغال باكستان ـ العدو التقليدى للهند ـ بمواجهات عسكرية محدودة مع أفغانستان فى التوقيت نفسه، خاصةً والأزمات الإقليمية تتزامن عادةً، أو تُختَلَق دائمًا، كاسلوب تكتيكى يشغل الخصم بجبهة قريبة، بينما يتحرك خصمه البعيد فى مساحة أوسع، وهو ما يسميه خبراء الاستراتيجيات بـ “النافذة الاستراتيجية” التى تتيح لدولة ما حرية حركة مؤقتة لأن خصمها ليس فى وضع يسمح له بفتح جبهة جديدة.
ـ أما تل أبيب فقد استثمرت زيارة "مودى" سياسيًا لكسر عزلتها الدولية المتزايدة من جهة، ولتقدم نفسها باعتبارها مركز الثقل الجديد فى شبكة الأمن الإقليمى والآسيوى الناشئة من جهة أخرى، وهو ما ظهر فى تصريحات "مودى" الحذرة تعقيبًا على ضرب ايران بعد مغادرته تل أبيب، ودعوته إلى ضبط النفس، وهى لغة دبلوماسية مألوفة تخفى وراءها عادة نوعًا من الاصطفاف الاستراتيجى.
ـ من جانب آخر، وحسب تقديرى، فثمة بُعدٍ اقتصادىٍ وجيوسياسىٍ أوسع لإعادة رسم خريطة الممرات التجارية بين آسيا وأوروبا.
فمنذ الإعلان عن مشروع الممر الاقتصادى بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (India–Middle (East–Europe Economic Corridor
الذى يربط الهند بموانئ الخليج ثم إسرائيل عبر المملكة السعودية، وصولًا إلى أوروبا ـ على حساب قناة السويس ـ بدا واضحًا أن واشنطن وتل أبيب تعملان على إنشاء طريق تجارة وطاقة بديل يلتف حول المسارات التى تملك إيران تأثيرًا مباشرًا عليها، وينافس مبادرة الحزام والطريق (Belt and Road Initiative) الصينية.
وهنا تصبح الهند بمثابة الركيزة الشرقية فى شبكة نقل وتجارة جديدة تحاول الولايات المتحدة بناءها لاحتواء الصين وتقليص النفوذ الإيرانى فى الخليج. من جهة، والسيطرة على القرار المصرى من جهة أخرى من خلال دخل قناة السويس.
ومن هذه الزاوية ـ حسب تقديرى ـ كانت زيارة "مودى" إلى تل أبيب لضمان موقع الهند فى هذه الخريطة الجديدة.
ـ هذا الاصطفاف الهندى خلف تل ابيب وواشنطن أتصور أن نيودلهى ستدفع ثمنه باهظًا على مدى ليس بالبعيد...
فبكين لن تتسامح مع تحالف "هندى ـ إسرائيلى" مدعوم أمريكيًا يقف على حدودها ويهدد مشروعها العالمى للطاقة والتجارة.
أما باكستان، فمن الطبيعى أن تستغل اللحظة لتعميق شراكتها الدفاعية مع الصين وربما مع موسكو أيضًا.
فى حين أن روسيا ـ التى ظلت لعقود الشريك العسكرى الأول للهند ـ ستقرأ هذا التحول باعتباره اقترابًا مقلقًا من واشنطن، خصمها الاستراتيجى الأول.
ـ أما إيران ـ التى ستتعافى من أزمتها وتستعيد قوتها تدريجيًا مع الوقت كما تقول حوادث التاريخ ـ فلن تنسى موقف نيودلهى، وربما تعيد حساباتها النفطية والاستثمارية معها، لتفتح بابًا أوسع أمام الصين وباكستان لتحالفات أمنية ومشاريع مدنية وعسكرية واستراتيجية مشتركة.
وعندها ستجد الهند نفسها الخاسر الأبعد مدى من حرب لم تشارك فيها فعليًا، ذلك لأنها لم تنتبه إلى درسين فى السياسة الدولية:
الدرس الأول:
أن الصراع الحقيقى بين طهران وتل ابيب ليس خلافًا سياسيًا، بل "غيرة ضرائر" كما كتبت رأيى من قبل، وتنافس على من يملك قلب السيد الأمريكى:
طهران العجوز الغنية، المسيطرة على مضيق هرمز، وعلى التركيبة السكانية المذهبية على ضفتى خليج النفط، وعلى شبكة واسعة ممتدة من النفوذ الإقليمى فى العراق وسوريا ولبنان واليمن؟
أم تل أبيب الشابة اللعوب، محظية البيت الأبيض، التى يكرهها الجميع؟
الدرس الثانى:
أن إيران تقصف المصالح الأمريكية فى دول الخليج الصغيرة جغرافيًا، فتتأذى رعايا تلك الدول ومنشآتها المدنية، ومع ذلك لا تتدخل واشنطن لحماية وجودها فى الخليج ولا لحماية تلك الدول، رغم ما دفعته لها من تريليونات الدولارات منذ سبعينيات القرن الماضى مقابل الحماية من إيران تحديدًا.
ذلك هو الدرس الأهم الذى يبدو أن نيودلهى تجاهلته: أن التحالف مع أمريكا قد يمنح النفوذ الظاهر، لكنه لا يضمن الأمان.
أو كما نقول فى عاميتنا المصرية: "المتغطى بأمريكا عريان".
ـ لهذا أتوقع أن الربح الإسرائيلى سيكون ربحًا قصير المدى، وأن الهيمنة الأمريكية قد تتحقق لبعض الوقت، لكنها لن تكون دائمة فى مواجهة التنين الصينى.
أما الخسارة الهندية فستكون أبطأ ظهورًا… لكنها أعمق أثرًا، ستمس مجالها الجغرافى الآسيوى وميزان علاقاتها مع جيرانها الكبار.