من النيل إلى الفرات
إن تصريح السفير الأمريكي لدى إسرائيل "مايك هاكابي"، عن فكرة ضم إسرائيل مناطق من "النيل إلى الفرات" لا يمكن قراءته بوصفه زلة لسان عابرة أو استعارة توراتية بلا تبعات سياسية. حين يصدر مثل هذا الكلام عن مسؤول يمثل دولة كبرى، فإنه يتحول من نكتة أيديولوجية ثقيلة الدم إلى رسالة سياسية مشبعة بالاستخفاف بخرائط المنطقة وتاريخها وسيادتها.
فكرة "من النيل إلى الفرات" ليست مجرد عبارة شاعرية في كتب التاريخ الديني، بل شعار ارتبط عبر عقود بخطاب توسعي يتجاهل وجود شعوب كاملة، وحدود دول معترف بها دولياً، وتوازنات قامت عليها منظومة ما بعد الحرب العالمية الثانية. أن يُعاد تدوير هذا الشعار اليوم، وفي لحظة إقليمية فارقة، يعني ببساطة ضخ وقود إضافي في منطقة مشتعلة أصلاً.
الغريب هنا أن واشنطن التي تتحدث ليلًا ونهارًا عن حل الدولتين والاستقرار الإقليمي واحترام القانون الدولي، تسمح لمسؤول حالي أن يلوّح بخريطة خيالية تمحو دولاً من على أرض الواقع. كيف يمكن لدبلوماسية تزعم أنها وسيط نزيه أن تتبنى ولو لفظياً خطاباً يبدو أقرب إلى كتيّبات الحروب الصليبية منه إلى بيانات وزارة خارجية في القرن الحادي والعشرين؟
الأمر لا يتعلق بإسرائيل كدولة قائمة ومعترف بها في الأمم المتحدة، بل بخطاب يتعامل مع المنطقة كأنها فراغ جغرافي ينتظر من يلوّن حدوده بقلم عريض. بين النيل والفرات تعيش مئات الملايين من البشر، بثقافاتهم وتاريخهم، ودولهم، وجيوشهم، واقتصاداتهم. يُعد اختزال كل ذلك في جملة حماسية هو إما جهل فادح أو استفزاز مقصود.
والأغرب من ذلك أن مثل هذه التصريحات تُقال أحياناً وكأنها نوع من "الشجاعة السياسية". أي شجاعة في التلويح بخريطة أكبر من الواقع؟ وأي واقعية في الحديث عن ضم أراضٍ تمتد عبر دول ذات سيادة؟ إن كان الهدف دغدغة جمهور أيديولوجي داخلي، فثمن هذا التصفيق قد يُدفع خارج الحدود الأميركية، حيث الكلمات ليست مجرد شعارات انتخابية، بل مؤشرات على أهداف وتوجهات سياسية.
علاوة على ذلك، أن المنطقة التي أنهكتها الحروب والتقسيمات لا تحتاج إلى أحلام إمبراطوريات جديدة، بل إلى اعتراف متبادل وحدود آمنة وعدالة سياسية. إذ أن كل تصريح من هذا النوع يعمّق الشك في حياد واشنطن، ويعطي المتطرفين في كل الاتجاهات ذخيرة مجانية لإثبات أن منطق القوة لا يزال يتفوق على منطق القانون.
في النهاية، قد يكون أسهل على أي سياسي أن يرسم خريطة بخطاب، لكن الأصعب أن يقنع شعوباً كاملة بأن وجودها قابل للمحو بجملة. بين النيل والفرات ليست هناك مساحة فراغ، بل ذاكرة، وتاريخ، ودماء، وحدود. ومن يتعامل مع الجغرافيا كأنها شعار، يكتشف عاجلاً أم آجلاً أن الخرائط لا تُرسم بالتصريحات، بل بتوازنات وصراعات لا ترحم.