بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

وترامب يحصد أول ثمار الضغط على الشركات الكبرى

آبل تنقل تصنيع Mac Mini إلى أمريكا

Mac Mini
Mac Mini

في خطوة تُعيد رسم خريطة التصنيع التكنولوجي في الولايات المتحدة، أعلنت شركة آبل رسمياً أنها ستبدأ خلال العام الجاري 2026 في تصنيع جهاز Mac Mini محلياً داخل الأراضي الأمريكية، وذلك في منشأة ضخمة بمدينة هيوستن بولاية تكساس، في أحدث فصول المساعي الأمريكية لاستعادة سلاسل الإنتاج التكنولوجي من آسيا.

مصنع آبل الجديد على مساحة 220 ألف قدم مربع

كشفت آبل عن تفاصيل المشروع خلال جولة أتاحتها لصحيفة وول ستريت جورنال داخل منشأة هيوستن، التي تضم حالياً مصنع فوكسكون المخصص لبناء خوادم Apple Intelligence. وأظهرت الجولة مستودعاً فارغاً تعتزم آبل تحويله إلى مصنع متكامل تبلغ مساحته 220 ألف قدم مربع، سيكون مخصصاً بالكامل لإنتاج أجهزة Mac Mini الموجهة للسوق الأمريكية.

وأكد سابيه خان، الرئيس التشغيلي لآبل، أن الشركة تشعر بثقة أكبر في التنبؤ بالطلب طويل الأمد على Mac Mini مقارنةً بمنتجات أخرى، مشيراً إلى أن المصنع الجديد سيكون قادراً على تلبية الطلب المحلي بمجرد أن تبلغ الطاقة الإنتاجية مستوياتها الكاملة، وإن كان من المتوقع أن يبدأ الإنتاج بأحجام متواضعة في المرحلة الأولى.

لماذا Mac Mini تحديداً؟

الاختيار لم يكن عشوائياً. يُمثل Mac Mini نسبة صغيرة نسبياً من إجمالي مبيعات آبل، مما يجعله الخيار الأمثل لاختبار تجربة التصنيع المحلي دون المجازفة بسلاسل إنتاج المنتجات الأكثر مبيعاً. فنقل تصنيع iPhone إلى الولايات المتحدة، على سبيل المثال، يُعدّ شبه مستحيل في المدى المنظور؛ إذ تمتلك المصانع الصينية بنية تحتية متكاملة وقوى عاملة مدربة لعقود على تجميع أكثر منتجات آبل تعقيداً.

وتجدر الإشارة إلى أن آبل سبق لها تصنيع Mac Pro في مصنع بتكساس، غير أن الإنتاج تراجع تدريجياً في السنوات الأخيرة. أما Mac Mini الموجه للأسواق خارج الولايات المتحدة، فسيستمر تصنيعه في آسيا كما هو الحال حالياً.

لا يمكن فهم هذا القرار بمعزل عن السياق السياسي الأمريكي، فقد جاء هذا التحرك ضمن التزام آبل بضخ 500 مليار دولار في الاقتصاد الأمريكي خلال السنوات الأربع المقبلة، وهو التعهد الذي أعلنته الشركة عقب لقاء الرئيس التنفيذي تيم كوك بالرئيس دونالد ترامب، الذي لم يُخف يومها أن توسع آبل في الاستثمار المحلي جاء رغبةً في تفادي الرسوم الجمركية التي تُلوّح بها إدارته.

جدير بالذكر أن هذه ليست المرة الأولى التي تتعهد فيها آبل باستثمارات محلية ضخمة؛ ففي عام 2021 إبان إدارة بايدن، تعهدت الشركة بضخ 430 مليار دولار في الاقتصاد الأمريكي على مدار خمس سنوات. لكن التعهد الحالي يأتي هذه المرة مصحوباً بخطوات ميدانية ملموسة على أرض الواقع.

قرار آبل ليس مجرد حدث معزول، بل هو مؤشر على توجه أعمق تشهده صناعة التكنولوجيا العالمية نحو ما بات يُعرف بـ"تنويع سلاسل الإمداد"، في ظل مخاوف متصاعدة من الاعتماد المفرط على التصنيع الآسيوي، والتوترات الجيوسياسية المتصاعدة بين واشنطن وبكين.

ومع ذلك يبقى السؤال الجوهري مطروحاً، هل يمكن لأمريكا فعلاً أن تُعيد بناء قدراتها التصنيعية في قطاع التكنولوجيا الدقيقة بعد عقود من تفريغها؟ التكاليف أعلى بكثير، والكفاءات المتخصصة تحتاج سنوات لبنائها، وآبل نفسها تُدرك هذا جيداً حين تختار البداية بمنتج محدود الحجم كـMac Mini.

تصنيع Mac Mini في هيوستن لن يُغير وحده معادلات التجارة العالمية، لكنه يحمل رسالة سياسية وتجارية بالغة الأهمية، آبل تُجرب، تتعلم، وربما تُمهّد لما هو أكبر، وفي عالم تتشابك فيه قرارات الأعمال مع السياسة الدولية، قد تكون هذه المستودعات الفارغة في هيوستن اليوم هي بداية فصل جديد في قصة التصنيع الأمريكي لأجهزة التكنولوجيا.